فخر الدين الرازي
107
تفسير الرازي
من بعض إلا أنه لما تقوى بعضها ببعض حصل فيه كمال وتمام والله أعلم . بقي في الآية مباحث . البحث الأول : في الآية حذف والتقدير سيقولون هم ثلاثة فحذف المبتدأ لدلالة الكلام عليه . البحث الثاني : خص القول الأول بسين الاستقبال ، وهو قوله سيقولون ، والسبب فيه أن حرف العطف يوجب دخول القولين الآخرين فيه . البحث الثالث : الرجم هو الرمي ، والغيب ما غاب عن الإنسان فقوله : * ( رجماً بالغيب ) * معناه أن يرى ما غاب عنه ولا يعرفه بالحقيقة ، يقال فلان يرمي بالكلام رمياً ، أي يتكلم من غير تدبر . البحث الرابع : ذكروا في فائدة الواو في قوله : * ( وثامنهم كلبهم ) * وجوهاً الوجه الأول : ما ذكرنا أنه يدل على أن هذا القول أولى من سائر الأقوال . وثانيها : أن السبعة عند العرب أصل في المبالغة في العدد قال تعالى : * ( إن تستغفر لهم سبعين مرة ) * وإذا كان كذلك فإذا وصلوا إلى الثمانية ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف ، فقالوا وثمانية ، فجاء هذا الكلام على هذا القانون ، قالوا : ويدل عليه نظيره في ثلاث آيات ، وهي قوله : * ( والناهون عن المنكر ) * ( التوبة : 112 ) لأن هذا هو العدد الثامن من الأعداد المتقدمة وقوله : * ( حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها ) * ( الزمر : 73 ) لأن أبواب الجنة ثمانية ، وأبواب النار سبعة ، وقوله : * ( ثيبات وأبكاراً ) * ( التحريم : 5 ) هو العدد الثامن مما تقدم ، والناس يسمون هذه الواو واو الثمانية ، ومعناه ما ذكرناه ، قال القفال : وهذا ليس بشيء ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ) * ( الحشر : 23 ) ولم يذكر الواو في النعت الثامن ، ثم قال تعالى : * ( قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل ) * وهذا هو الحق ، لأن العلم بتفاصيل كائنات العالم والحوادث التي حدثت في الماضي والمستقبل لا تحصل إلا عند الله تعالى ، وإلا عند من أخبره الله عنها ، وقال ابن عباس أنا من أولئك القليل ، قال القاضي : إن كان قد عرفه ببيان الرسول صح ، وإن كان قد تعلق فيه بحرف الواو فضعيف ، ويمكن أن يقال : الوجوه السبعة المذكورة وإن كانت لا تفيد الجزم إلا أنها تفيد الظن ، واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه القصة أتبعه بأن نهي رسوله عن شيئين ، عن المراء والاستفتاء ، أما النهي عن المراء ، فقوله : * ( فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً ) * والمراد من المراء الظاهر أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد ، بل يقول : هذا التعيين لا دليل عليه ، فوجب التوقف وترك القطع . ونظيره قوله تعالى : * ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) * ( العنكبوت : 46 ) وأما النهي عن الاستفتاء فقوله : * ( ولا تستفت فيهم منهم أحداً ) * ، وذلك لأنه لما ثبت أنه ليس عندهم علم في هذا الباب وجب المنع من استفتائهم ، واعلم أن نفاة القياس تمسكوا بهذه الآية قالوا لأن قوله : * ( رجماً بالغيب ) * وضع الرجم فيه موضع الظن فكأنه قيل : ظناً بالغيب لأنهم أكثروا أن يقولوا : رجم بالظن مكان قولهم ظن ، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين ، ألا ترى إلى قوله : وما هو عنها بالحديث المرجم