فخر الدين الرازي
108
تفسير الرازي
أي المظنون هكذا قاله صاحب الكشاف ، وذلك يدل على أن القول بالظن مذموم عند الله ثم إنه تعالى لما ذم هذه الطريقة رتب عليه من استفتاء هؤلاء الظانين ، فدل ذلك على أن الفتوى بالمظنون غير جائز عند الله ، وجواب مثبتي القياس عنه قد ذكرناه مراراً . قوله تعالى * ( وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لاَِقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا * وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُواْ تِسْعًا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا ) * اعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال المفسرون إن القوم لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاثة ، قال عليه السلام أجيبكم عنها غداً ولم يقل إن شاء الله ، فاحتبس الوحي خمسة عشر يوماً وفي رواية أخرى أربعين يوماً ، ثم نزلت هذه الآية ، اعترض القاضي على هذا الكلام من وجهين . الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عالماً بأنه إذا أخبر عن أنه سيفعل الفعل الفلاني غداً فربما جاءته الوفاة قبل الغد ، وربما عاقه عائق آخر عن الإقدام على ذلك الفعل غداً ، وإذا كان كل هذه الأمور محتملاً ، فلو لم يقل إن شاء الله ربما خرج الكلام مخالفاً لما عليه الوجود وذلك يوجب التنفير عنه ، وعن كلامه عليه السلام ، أما إذا قال إن شاء الله كان محترزاً عن هذا المحذور ، وإذا كان كذلك كان من البعيد أن يعد بشيء ولم يقل فيه إن شاء الله . الثاني : أن هذه الآية مشتملة على فوائد كثيرة وأحكام جمة فيبعد قصرها على هذا السبب ويمكن أن يجاب عن الأول : أنه لا نزاع أن الأولى أن يقول إن شاء الله إلا أنه ربما اتفق له أنه نسي هذا الكلام لسبب من الأسباب فكان ذلك من باب ترك الأولى والأفضل ، وأن يجاب عن الثاني أن اشتماله على الفوائد الكثيرة لا يمنع من أن يكون سبب نزوله واحداً منها .