فخر الدين الرازي
88
تفسير الرازي
إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ( 79 ) والابصار الأفئدة لعلكم تشكرون ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى مثل الكفار بالأبكم العاجز ، ومثل نفسه بالذي يأمر بالعدل ، وهو على صراط مستقيم ، ومعلوم أن يمتنع أن يكون آمرا بالعدل ، وأن يكون على صراط مستقيم إلا إذا كان كاملا في العلم والقدرة ، ذكر في هذه الآية بيان كونه كاملا في العلم والقدرة ، أما بيان كمال العلم فهو قوله ( ولله غيب السماوات والأرض ) والمعنى : علم الله غيب السماوات والأرض وأيضا فقوله ( ولله غيب السماوات والأرض ) يفيد الحصر معناه : أن العلم بهذه الغيوب ليس إلا لله وأما بيان كمال القدرة فقوله ( وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ) والساعة هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة سميت ساعة لأنها تفجأ الانسان في ساعة فيموت الخلق بصيحة واحدة ، وقوله ( إلا كلمح البصر ) اللمح النظر بسرعة يقال لمحه ببصره لمحا ولمحانا ، والمعنى : ما أمر قيام القيامة في السرعة إلا كطرف العين ، والمراد منه تقرير كمال القدرة وقوله ( أمر هو أقرب ) معناه أن لمح البصر عبارة عن انتقال الجسم المسمى بالطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها ، ولا شك أن الحدقة مؤلفة من أجزاء لا تتجزأ ، فلمح البصر عبارة عن المرور على جملة تلك الأجزاء التي منها تألف سطح الحدقة ، ولا شك أن تلك الأجزاء كثيرة والزمان الذي يحصل فيه لمح البصر مركب من آنات متعاقبة ، والله تعالى قادر على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآنات فلهذا قال ( أو هو أقرب ) إلا أنه لما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصر لا جرم ذكره . ثم قال ( أو هو أقرب ) تنبيها على ما ذكرناه ، ولا شبهة في أنه ليس المراد طريقة الشك ، بل المراد : بل هو أقرب ، وقال الزجاج : المراد به الابهام عن المخاطبين أنه تعالى يأتي بالساعة إما بقدر لمح البصر أو بما هو أسرع . قال القاضي : هذا لا يصح ، لان إقامة الساعة ليست حال تكليف حتى يقال إنه تعالى يأتي بها في زمان ، بل الواجب أن يخلقها دفعة واحدة في وقت واحد ، ويفارق ما ذكرناه في ابتداء خلق السماوات والأرض لان تلك الحال حال تكليف ، فلم يمتنع أن يخلقهما كذلك لما فيه من مصلحة الملائكة . واعلم أن هذا الاعتراض إنما يستقيم على مذهب القاضي ، أما على قولنا في أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فليس له قوة والله أعلم ، ثم إنه تعالى عاد إلى الدلائل الدالة على وجود الصانع المختار فقال ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) وفيه مسائل :