فخر الدين الرازي
89
تفسير الرازي
( المسألة الأولى ) قرأ حمزة والكسائي ( إمهاتكم ) بكسر الهمزة ، والباقون بضمها . ( المسألة الثانية ) أمهاتكم أصله أماتكم : إلا أنه زيد الهاء فيه كما زيد في اراق فقيل : اهراق وشذت زيادتها في الواحدة في قوله : أمهتى خندف واليأس أبى ( المسألة الثالثة ) الانسان في خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء . ثم قال ( وجعل لكم السمع والابصار والأفئدة ) والمعنى : أن النفس الانسانية لما كانت في أول الخلقة خالية عن المعارف والعلوم بالله ، فالله أعطاه هذه الحواس ليستفيد بها المعارف والعلوم ، وتمام الكلام في هذا الباب يستدعى مزيد تقرير فنقول : التصورات والتصديقات إما أن تكون كسبية ، وإما أن تكون بديهية ، والكسيات انما يمكن تحصيلها بواسطة تركيبات البديهيات ، فلا بد من من سبق هذه العلوم البديهية ، وحينئذ لسائل أن يسأل فيقول : هذه العلوم البديهية إما أن يقال إنها كانت حاصلة منذ خلقنا أو ما كانت حاصلة . والأول باطل لأنا بالضرورة نعلم أنا حين كنا جنينا في رحم الام ما كنا نعرف أن النفي والاثبات لا يجتمعان ، وما كنا نعرف أن الكل أعظم من الجزء . ( وأما القسم الثاني ) فإنه يقتضى أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا بعد أنها ما كانت حاصلة ، فحينئذ لا يمكن حصولها إلا بكسب وطلب ، وكل ما كان كسبيا فهو مسبوق بعلوم أخرى فهذه العلوم البديهية تصير كسبية ، ويجب أن تكون مسبوقة بعلوم أخرى إلى غير نهاية ، وكل ذلك محال ، وهذا سؤال قوى مشكل . وجوابه أن نقول : الحق أن هذه العلوم البديهية ما كانت حاصلة في نفوسنا ، ثم إنها حدثت وحصلت ، أما قوله فيلزم أن تكون كسبية . قلنا : هذه المقدمة ممنوعة ، بل نقول : إنها انما حدثت في نفوسنا بعد عدمها بواسطة إعانة الحواس التي هي السمع والبصر ، وتقريره أن النفس كانت في مبدأ الخلقة خالية عن جميع العلوم إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر ، فإذا أبصر الطفل شيئا مرة بعد أخرى ارتسم في خياله ماهية ذلك المبصر ، وكذلك إذا سمع شيئا مرة بعد أخرى ارتسم في سمعه وخياله ماهية ذلك المسموع وكذا القول في سائر الحواس ، فيصير حصول الحواس سببا لحضور ماهيات المحسوسات في النفس والعقل ثم إن تلك الماهيات على قسمين : أحد القسمين : ما يكون نفس حضوره موجبا تاما في جزم الذهن باسناد بعضها إلى بعض أو الاثبات : مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الواحد ما هو ،