فخر الدين الرازي
73
تفسير الرازي
ومن بعض الأدواء صلح بأن يوصف بأنه فيه شفاء ، والذي يدل على أنه شفاء في الجملة أنه قال معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله إنما يحصل بالعجن بالعسل ، وأيضاً فالأشربة المتخذة منه في الأمراض البلغمية عظيمة النفع . والقول الثاني : وهو قول مجاهد أن المراد : أن القرآن شفاء للناس ، وعلى هذا التقدير فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله : * ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ) * ثم ابتدأ وقال : * ( فيه شفاء للناس ) * أي في هذا القرآن حصل ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة ، مثل هذا الذي في قصة النحل . وعن ابن مسعود : أن العسل شفاء من كل داء ، والقرآن شفاء لما في الصدور . واعلم أن هذا القول ضعيف ويدل عليه وجهان : الأول : أن الضمير في قوله : * ( فيه شفاء للناس ) * يجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وما ذاك إلا قوله : * ( شراب مختلف ألوانه ) * وأما الحكم بعود هذا الضمير إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق ، فهو غير مناسب . والثاني : ما روى أبو سعيد الخدري : أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن أخي يشتكي بطنه فقال : " اسقه عسلاً " فذهب ثم رجع فقال : قد سقيته فلم يغن عنه شيئاً ، فقال عليه الصلاة والسلام : " اذهب واسقه عسلاً " فذهب فسقاه ، فكأنما نشط من عقال ، فقال : " صدق الله وكذب بطن أخيك " وحملوا قوله : " صدق الله وكذب بطن أخيك " على قوله : * ( فيه شفاء للناس ) * وذلك إنما يصح لو كان هذا صفة للعسل . فإن قال قائل : ما المراد بقوله عليه السلام : " صدق الله وكذب بطن أخيك " . قلنا : لعله عليه السلام علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك ، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع أنه عليه السلام كان عالماً بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك ، كان هذا جارياً مجرى الكذب ، فلهذا السبب أطلق عليه هذا اللفظ . ثم أنه تعالى ختم الآية بقوله : * ( إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) * واعلم أن تقرير هذه الآية من وجوه : الأول : اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والمعارف الغامضة مثل بناء البيوت المسدسة وسائر الأحوال التي ذكرناها . والثاني : اهتداؤها إلى جميع تلك الأجزاء العسلية من أطراف الأشجار والأوراق . والثالث : خلق الله تعالى الأجزاء النافعة في جو الهواء ، ثم إلقاؤها على أطراف الأشجار والأوراق ، ثم إلهام النحل إلى جمعها بعد تفريقها وكل ذلك أمور عجيبة دالة على أن إله العالم بنى ترتيبه على رعاية الحكمة والمصلحة ، والله أعلم .