فخر الدين الرازي
74
تفسير الرازي
قوله تعالى * ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاًكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَىْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) * في الآية مسائل : المسألة الأولى : لما ذكر تعالى بعض عجائب أحوال الحيوانات ، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس ، فمنها ما هو مذكور في هذه الآية وهو إشارة إلى مراتب عمر الإنسان ، والعقلاء ضبطوها في أربع مراتب : أولها : سن النشو والنماء . وثانيهما : سن الوقوف وهو سن الشباب . وثالثها : سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة . ورابعها : سن الانحطاط الكبير وهو سن الشيخوخة . فاحتج تعالى بانتقال الحيوان من بعض هذه المراتب إلى بعض ، على أن ذلك الناقل هو الله تعالى والأطباء الطبائعيون قالوا : المقتضي لهذا الانتقال هو طبيعة الإنسان ، وأنا أحكي كلامهم على الوجه الملخص وأبين ضعفه وفساده ، وحينئذ يبقى أن ذلك الناقل هو الله سبحانه ، وعند ذلك يصح بالدليل العقلي ما ذكر الله تعالى في هذه الآية . قال الطبائعيون : إن بدن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث ، والمني والدم جوهران حاران رطبان ، والحرارة إذا عملت في الجسم الرطب قللت رطوبته وأفادته نوع يبس ، وهذا مشاهد معلوم ، قالوا : فلا يزال ما في هذين الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما فيه من الرطوبة حتى تتصلب الأعضاء ويظهر فيه الانعقاد ، ويحدث العظم والغضروف والعصب والوتر والرباط وسائر الأعضاء فإذا تم تكون البدن وكمل فعند ذلك ينفصل الجنين من رحم الأم ومع ذلك فالرطوبات زائدة ، والدليل عليه أنك ترى أعضاء الطفل بعد انفصاله من الأم لينة لطيفة وعظامه لينة قريبة الطبع من الغضاريف ، ثم إن ما في البدن من الحرارة يعمل في تلك الرطوبات ويقللها ، قالوا : ويحصل للبدن ثلاثة أحوال . الحالة الأولى : أن تكون رطوبة البدن زائدة على حرارته ، وحينئذ تكون الأعضاء قابلة للتمدد والازدياد والنماء ، وذلك هو سن النشو والنماء ونهايته إلى ثلاثين سنة أو خمس وثلاثين سنة . الحالة الثانية : أن تصير رطوبات البدن أقل ما كانت فتكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية الأصلية إلا أنها لا تكون زائدة على هذا القدر ، وهذا هو سن الوقوف وسن الشباب وغايته خمس سنين ، وعند تمامه يتم الأربعون .