فخر الدين الرازي

72

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( فاسلكي سبل ربك ) * والمعنى : ثم كلي كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها فاسلكي سبل ربك في الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل ، أو يكون المراد : فاسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك . أما قوله : * ( ذللاً ) * ففيه قولان : الأول : أنه حال من السبل لأن الله تعالى ذللها لها ووطأها وسهلها ، كقوله : * ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً ) * ( الملك : 15 ) الثاني : أنه حال من الضمير في * ( فاسلكي ) * أي وأنت أيها النحل ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة . ثم قال تعالى : * ( يخرج من بطونها ) * وفيه بحثان : البحث الأول : أن هذا رجوع من الخطاب إلى الغيبة والسبب فيه أن المقصود من ذكر هذه الأحوال أن يحتج الإنسان المكلف به على قدرة الله تعالى وحكمته وحسن تدبيره لأحوال العالم العلوي والسفلي ، فكأنه تعالى لما خاطب النحل بما سبق ذكره خاطب الإنسان وقال : إنا ألهمنا هذا النحل لهذه العجائب ، لأجل أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه . البحث الثاني : أنه قد ذكرنا أن من الناس من يقول : العسل عبارة عن أجزاء طلية تحدث في الهواء وتقع على أطراف الأشجار وعلى الأوراق والأزهار ، فيلقطها الزنبور بفمه ، فإذا ذهبنا إلى هذا الوجه كان المراد من قوله : * ( يخرج من بطونها ) * أي من أفواهها ، وكل تجويف في داخل البدن فإنه يسمى بطناً ، ألا ترى أنهم يقولون : بطون الدماغ وعنوا أنها تجاويف الدماغ ، وكذا ههنا يخرج من بطونها أي من أفواهها ، وأما على قول أهل الظاهر ، وهو أن النحلة تأكل الأوراق والثمرات ثم تقئ فذلك هو العسل فالكلام ظاهر . ثم قال تعالى : * ( شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) * اعلم أنه تعالى وصف العسل بهذه الصفات الثلاثة : فالصفة الأولى : كونه شراباً والأمر كذلك ، لأنه تارة يشرب وحده وتارة يتخذ من الأشربة . والصفة الثانية : قوله : * ( مختلف ألوانه ) * والمعنى : أن منه أحمر وأبيض وأصفر . ونظيره قوله تعالى : * ( ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ) * ( فاطر : 27 ) والمقصود منه : إبطال القول بالطبع ، لأن هذا الجسم مع كونه متساوي الطبيعة لما حدث على ألوان مختلفة ، دل ذلك على أن حدوث تلك الألوان بتدبير الفاعل المختار ، لا لأجل إيجاد الطبيعة . والصفة الثالثة : قوله : * ( فيه شفاء للناس ) * وفيه قولان : القول الأول : وهو الصحيح أنه صفة للعسل . فإن قالوا : كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرارة ؟ . قلنا : إنه تعالى لم يقل إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال ، بل لما كان شفاء للبعض