فخر الدين الرازي
228
تفسير الرازي
القول الثاني : أن الكلام مع الكفار تم عند قوله : * ( عسى أن يكون قريباً ) * وأما قوله : * ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ) * فهو خطاب مع المؤمنين لا مع الكافرين لأن هذا الكلام هو اللائق بالمؤمنين لأنهم يستجيبون لله بحمده ، ويحمدونه على إحسانه إليهم ، والقول الأول هو المشهور ، والثاني ظاهر الاحتمال . قوله تعالي * ( وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا * رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً * وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ) * اعلم أن قوله : * ( قل لعبادي ) * فيه قولان : القول الأول : أن المراد به المؤمنون ، وذلك لأن لفظ العباد في أكثر آيات القرآن مختص بالمؤمنين قال تعالى : * ( فبشر عباد * الذين يستمعون القول ) * ( الزمر : 17 ، 18 ) وقال : * ( فادخلي في عبادي ) * ( الفجر : 29 ) وقال : * ( عيناً يشرب بها عباد الله ) * ( الإنسان : 6 ) . إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما ذكر الحجة اليقينية في إبطال الشرك وهو قوله : * ( لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ) * ( الإسراء : 42 ) وذكر الحجة اليقينية في صحة المعاد وهو قوله : * ( قل الذي فطركم أول مرة ) * ( الإسراء : 51 ) قال في هذه الآية وقل يا محمد لعبادي إذا أردتم إيراد الحجة على المخالفين فاذكروا تلك الدلائل بالطريق الأحسن . وهو أن لا يكون ذكر الحجة مخلوطاً بالشتم والسب ، ونظير هذه الآية قوله : * ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) * ( النحل : 125 ) وقوله : * ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) * ( العنكبوت : 46 ) وذلك لأن ذكر الحجة لو اختلط به شيء من السب والشتم لقابلوكم بمثله كما قال : * ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ) * ( الأنعام : 108 ) ويزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود ، أما إذا وقع الاقتصار على ذكر الحجة بالطريق الأحسن