فخر الدين الرازي
229
تفسير الرازي
الخالي عن الشتم والإيذاء أثر في القلب تأثيراً شديداً فهذا هو المراد من قوله : * ( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ) * ثم إنه تعالى نبه على وجه المنفعة في هذا الطريق فقال : * ( إن الشيطان ينزغ بينهم ) * جامعاً للفريقين أي متى صارت الحجة مرة ممزوجة بالبذاءة صارت سبباً لثوران الفتنة . ثم قال : * ( إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً ) * والمعنى : أن العداوة الحاصلة بين الشيطان وبين الإنسان عداوة قديمة قال تعالى حكاية عنه : * ( ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) * ( الأعراف : 17 ) وقال : * ( كمثل الشيطان إذا قال للإنسان أكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ) * ( الحشر : 16 ) وقال : * ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ) * ( الأنفال : 48 ) وقال : * ( لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ) * إلى قوله : * ( إني بريء منكم ) * ( الأنفال : 48 ) . ثم قال تعالى : * ( ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم ) * واعلم أنا إنما نتكلم الآن على تقدير أن قوله تعالى : * ( قل لعبادي ) * المراد به المؤمنون ، وعلى هذا التقدير فقوله : * ( ربكم أعلم بكم ) * خطاب مع المؤمنين ، والمعنى : إن يشأ يرحمكم ، والمراد بتلك الرحمة الإنجاء من كفار مكة وأذاهم أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم . ثم قال : * ( وما أرسلناك ) * يا محمد * ( عليهم وكيلاً ) * أي حافظاً وكفيلاً فاشتغل أنت بالدعوة ولا شيء عليك من كفرهم فإن شاء الله هدايتهم هداهم ، وإلا فلا . والقول الثاني : أن المراد من قوله : * ( وقل لعبادي ) * الكفار ، وذلك لأن المقصود من هذه الآيات الدعوة ، فلا يبعد في مثل هذا الموضع أن يخاطبوا بالخطاب الحسن ليصير ذلك سبباً لجذب قلوبهم وميل طباعهم إلى قبول الدين الحق ، فكأنه تعالى قال : يا محمد قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عباداً لي يقولوا التي هي أحسن . وذلك لأنا قبل النظر في الدلائل والبينات نعلم بالضرورة أن وصف الله تعالى بالتوحيد والبراءة عن الشركاء والأضداد أحسن من إثبات الشركاء والأضداد ، ووصفه بالقدرة على الحشر والنشر بعد الموت أحسن من وصفه بالعجز عن ذلك ، وعرفهم أنه لا ينبغي لهم أن يصروا على تلك المذاهب الباطلة تعصباً للأسلاف ، لأن الحامل على مثل هذا التعصب هو الشيطان ، والشيطان عدو ، فلا ينبغي أن يلتفت إلى قوله ثم قال لهم : * ( ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ) * بأن يوفقكم للإيمان والهداية والمعرفة . وإن يشأ يمتكم ، على الكفر فيعذبكم ، إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فاجتهدوا أنتم في طلب الدين الحق ، ولا تصروا على الباطل والجهل لئلا تصيروا محرومين عن السعادات الأبدية والخيرات السرمدية ، ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : * ( وما أرسلناك عليهم وكيلاً ) * أي لا تشدد الأمر عليهم ولا تغلظ لهم في القول ، والمقصود من كل هذه الكلمات : إظهار اللين والرفق لهم عند الدعوة فإن ذلك هو الذي يؤثر في القلب ويفيد حصول المقصود .