فخر الدين الرازي
206
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( إن العهد كان مسؤولا ) * وفيه وجوه : أحدها : أن يراد صاحب العهد كان مسؤولاً فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله : * ( واسأل القرية ) * ( يوسف : 82 ) . وثانيها : أن العهد كان مسؤولا أي مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به . وثالثها : أن يكون هذا تخييلاً كأنه يقال للعهد لم نكثت وهلا وفي بك تبكيتاً للناكث كما يقال للموؤدة : * ( بأي ذنب قتلت ) * ( التكوير : 9 ) وكقوله : * ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ) * ( المائدة : 116 ) الآية فالمخاطبة لعيسى عليه السلام والإنكار على غيره . النوع الثاني : من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله : * ( وأوفوا الكل إذا كلتم ) * والمقصود منه إتمام الكيل وذكر الوعيد الشديد في نقصانه في قوله : * ( ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ) * ( المطففين : 1 - 3 ) . النوع الثالث : من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله : * ( وزنوا بالقسطاس المستقيم ) * فالآية المتقدمة في إتمام الكيل ، وهذه الآية في إتمام الوزن ، ونظيره قوله تعالى : * ( وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ) * ( الرحمن : 9 ) وقوله : * ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) * ( هود : 85 ) . واعلم أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل ، والوزن قليل . والوعيد الحاصل عليه شديد عظيم ، فوجب على العاقل الاحتراز منه ، وإنما عظم الوعيد فيه لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء ، وقد يكون الإنسان غافلاً لا يهتدي إلى حفظ ماله ، فالشارع بالغ في المنع من التطفيف والنقصان ، سعياً في إبقاء الأموال على الملاك ، ومنعاً من تلطيخ النفس بسرقة ذلك المقدار الحقير ، والقسطاس في معنى الميزان إلا أنه في العرف أكبر منه ، ولهذا اشتهر في ألسنة العامة أنه القبان . وقيل أنه بلسان الروم أو السرياني . والأصح أنه لغة العرب وهو مأخوذ من القسط ، وهو الذي يحصل فيه الاستقامة والاعتدال ، وبالجملة فمعناه المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الجانبين ، وأجمعوا على جواز اللغتين فيه ، ضم القاف وكسرها ، فالكسر قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم والباقون بالضم . ثم قال تعالى : * ( ذلك خير ) * أي الإيفاء بالتمام والكمال خير من التطفيف القليل من حيث أن الإنسان يتخلص بواسطته عن الذكر القبيح في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة : * ( وأحسن تأويلاً ) * والتأويل ما يؤل إليه الأمر كما قال في موضع آخر : * ( خير مردا ) * ( مريم : 76 ) * ( خير عقبا ) * ( الكهف : 46 ) * ( خير أملا ) * ( الكهف : 44 ) وإنما حكم تعالى بأن عاقبة هذا الأمر أحسن العواقب ، لأنه في الدنيا إذا اشتهر بالاحتراز عن التطفيف عول الناس عليه ومالت القلوب إليه وحصل له الاستغناء في الزمان القليل ، وكم قد رأينا من الفقراء لما اشتهروا عند الناس بالأمانة والاحتراز عن الخيانة أقبلت القلوب عليهم وحصلت الأموال الكثيرة