فخر الدين الرازي

207

تفسير الرازي

لهم في المدة القليلة . وأما في الآخرة فالفوز بالثواب العظيم والخلاص من العقاب الأليم . قوله تعالى * ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ واَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) * في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما شرح الأوامر الثلاثة ، عاد بعده إلى ذكر النواهي فنهى عن ثلاثة أشياء : أولها : قوله : * ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) * وقوله : * ( تقف ) * مأخوذ من قولهم : قفوت أثر فلان أقفو قفواً وقفواً إذا اتبعت أثره ، وسميت قافية الشعر قافية لأنها تقفو البيت ، وسميت القبيلة المشهورة بالقافة ، لأنهم يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوال الإنسان ، وقال تعالى : * ( ثم قفينا على آثارهم برسلنا ) * ( الحديد : 27 ) وسمي القفا قفا لأنه مؤخر بدن الإنسان كأنه شيء يتبعه ويقفوه فقوله : * ( ولا تقف ) * أي ولا تتبع ولا تقتف ما لا علم لك به من قول أو فعل ، وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوماً ، وهذه قضية كلية يندرج تحتها أنواع كثيرة ، وكل واحد من المفسرين حمله على واحد من تلك الأنواع وفيه وجوه : الوجه الأول : المراد نهي المشركين عن المذاهب التي كانوا يعتقدونها في الإلهيات والنبوات بسبب تقليد أسلافهم ، لأنه تعالى نسبهم في تلك العقائد إلى اتباع الهوى فقال : * ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ) * ( النجم : 23 ) وقال في إنكارهم البعث : * ( بل أدارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون ) * ( النمل : 66 ) وحكي عنهم أنهم قالوا : * ( إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين ) * ( الجاثية : 32 ) وقال : * ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) * ( القصص : 50 ) وقال : * ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ) * ( النحل : 116 ) الآية وقال : * ( هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ) * ( الأنعام : 148 ) . والقول الثاني : نقل عن محمد بن الحنفية أن المراد منه شهادة الزور ، وقال ابن عباس : لا تشهد إلا بما رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك . والقول الثالث : المراد منه : النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب ، وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه .