فخر الدين الرازي
200
تفسير الرازي
فنفتقر ههنا إلى بيان أن الأصل في القتل التحريم ، والذي يدل عليه وجوه : الأول : أن القتل ضرر والأصل في المضار الحرمة لقوله : * ( ما جعل عليكم في الدين من حرج ) * ( الحج : 78 ) ولا يريد بكم العسر . ولا ضرر ولا ضرار . الثاني : قوله عليه السلام : " الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب " . الثالث : أن الآدمي خلق للاشتغال بالعبادة لقوله : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( الذاريات : 56 ) ولقوله عليه السلام : " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً " والاشتغال بالعبادة لا يتم إلا عند عدم القتل . الرابع : أن القتل إفساد فوجب أن يحرم لقوله تعالى : * ( ولا تفسدوا ) * ( الأعراف : 85 ) . الخامس : أنه إذا تعارض دليل تحريم القتل ودليل إباحته فقد أجمعوا على أن جانب الحرمة راجح ، ولولا أن مقتضى الأصل هو التحريم وإلا لكان ذلك ترجيحاً لا لمرجح وهو محال . السادس : أنا إذا لم نعرف في الإنسان صفة من الصفات إلا مجرد كونه إنساناً عاقلاً حكمنا فيه بتحريم قتله ، وما لم نعرف شيئاً زائداً على كونه إنساناً لم نحكم فيه بحل دمه ، ولولا أن أصل الإنسانية يقتضي حرمة القتل ، وإلا لما كان كذلك فثبت بهذه الوجوه أن الأصل في القتل هو التحريم . وأن حله لا يثبت إلا بأسباب عرضية . وإذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى حكم بأن الأصل في القتل هو التحريم فقال : * ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) * فقوله : * ( ولا تقتلوا ) * نهي وتحريم ، وقوله : * ( حرم الله ) * إعادة لذكر التحريم على سبيل التأكيد ، ثم استثنى عنه الأسباب العرضية الاتفاقية فقال : * ( إلا بالحق ) * ثم ههنا طريقان : الطريق الأول : أن مجرد قوله : * ( إلا بالحق ) * مجمل لأنه ليس فيه بيان أن ذلك الحق ما هو وكيف هو ؟ ثم إنه تعالى قال : * ( ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ) * أي في استيفاء القصاص من القاتل ، وهذا الكلام يصلح جعله بياناً لذلك المجمل ، وتقريره كأنه تعالى قال : * ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) * وذلك الحق هو أن من قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً في استيفاء القصاص . وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من الحق هذه الصورة فقط ، فصار تقدير الآية : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا عند القصاص ، وعلى هذا التقدير فتكون الآية نصاً صريحاً في تحريم القتل إلا بهذا السبب الواحد ، فوجب أن يبقى على الحرمة فيما سوى هذه الصورة الواحدة . والطريق الثاني : أن نقول : دلت السنة على أن ذلك الحق هو أحد أمور ثلاثة : وهو قوله عليه السلام : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل نفس بغير حق " . واعلم أن هذا الخبر من باب الآحاد . فإن قلنا : إن قوله : * ( ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ) * تفسير لقوله : * ( إلا بالحق ) * كانت الآية صريحة في أنه لا يحل القتل إلا بهذا السبب الواحد ،