فخر الدين الرازي

201

تفسير الرازي

فحينئذ يصير هذا الخبر مخصصاً لهذه الآية ويصير ذلك فرعاً لقولنا : إنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، وأما إن قلنا : إن قوله : * ( ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ) * ليس تفسيراً لقوله : * ( إلا بالحق ) * فحينئذ يصير هذا الخبر مفسراً للحق المذكور في الآية ، وعلى هذا التقدير لا يصير هذا فرعاً على مسألة جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد . فلتكن هذه الدقيقة معلومة والله أعلم . المسألة الثالثة : ظاهر هذه الآية أنه لا سبب لحل القتل إلا قتل المظلوم ، وظاهر الخبر يقتضي ضم شيئين آخرين إليه : وهو الكفر بعد الإيمان ، والزنا بعد الإحصان ، ودلت آية أخرى على حصول سبب رابع وهو قوله تعالى : * ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا ) * ( المائدة : 33 ) ودلت آية أخرى على حصول سبب خامس وهو الكفر . قال تعالى : * ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) * ( التوبة : 29 ) وقال : * ( واقتلوهم حيث وجدتموهم ) * ( النساء : 89 ) والفقهاء تكلموا واختلفوا في أشياء أخرى فمنها : أن تارك الصلاة هل يقتل أم لا ؟ فعند الشافعي رحمه الله يقتل ، وعن أبي حنيفة رحمه الله لا يقتل . وثانيها : أن فعل اللواط هل يوجب القتل ؟ فعند الشافعي يوجب ، وعند أبي حنيفة لا يوجب . وثالثها : أن الساحر إذا قال : قتلت بسحري فلاناً فعند الشافعي يوجب القتل ، وعند أبي حنيفة لا يوجب . ورابعها : أن القتل بالمثقل هل يوجب القصاص ؟ فعند الشافعي يوجب . وعند أبي حنيفة لا يوجب . وخامسها : أن الامتناع من أداء الزكاة هل يوجب القتل أم لا ؟ اختلفوا فيه في زمان أبي بكر . وسادسها : أن إتيان البهيمة هل يوجب القتل ، فعند أكثر الفقهاء لا يوجب ، وعند قوم يوجب ، حجة القائلين بأنه لا يجوز القتل في هذه الصور هو أن الآية صريحة في منع القتل على الإطلاق ، إلا لسبب واحد وهو قتل المظلوم ، ففيما عدا هذا السبب الواحد ، وجب البقاء على أصل الحرمة ، ثم قالوا : وهذا النص قد تأكد بالدلائل الكثيرة الموجبة لحرمة الدم على الإطلاق ، فترك العمل بهذه الدلائل لا يكون إلا لمعارض ، وذلك المعارض إما أن يكون نصاً متواتراً أو نصاً من باب الآحاد أو يكون قياساً ، أما النص المتواتر فمفقود ، وإلا لما بقي الخلاف ، وأما النص من باب الآحاد فهو مرجوح بالنسبة إلى هذه النصوص المتواترة الكثيرة ، وأما القياس فلا يعارض النص . فثبت بمقتضى هذا الأصل القوي القاهر أن الأصل في الدماء الحرمة إلا في الصور المعدودة والله أعلم . المسألة الرابعة : قوله تعالى : * ( ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف ) * فيه بحثان : البحث الأول : أن هذه الآية تدل على أنه أثبت لولي الدم سلطاناً ، فأما بيان أن هذه السلطنة تحصل فيما ذا فليس في قوله : * ( فقد جعلنا لوليه سلطانا ) * دلالة عليه ثم ههنا طريقان : الأول : أنه تعالى لما قال بعده : * ( فلا يسرف في القتل ) * عرف أن تلك السلطنة إنما حصلت في استيفاء القتل ، وهذا