فخر الدين الرازي
187
تفسير الرازي
أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة . وثانيها : أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد وثنى بطاعة الله تعالى ، وثلث بالبر بالوالدين وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطاعة . وثالثها : أنه تعالى لم يقل : وإحساناً بالوالدين ، بل قال : * ( وبالوالدين إحساناً ) * فتقديم ذكرهما يدل على شدة الاهتمام . ورابعها : أنه قال : * ( إحساناً ) * بلفظ التنكير والتنكير يدل على التعظيم ، والمعنى : وقضى ربك أن تحسنوا إلى الوالدين إحساناً عظيماً كاملاً ، وذلك لأنه لما كان إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك ، ثم على جميع التقديرات فلا تحصل المكافأة ، لأن إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداء ، وفي الأمثال المشهورة أن البادي بالبر لا يكافأ . ثم قال تعالى : * ( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : لفظ " إما " لفظة مركبة من لفظتين : إن ، وما . أما كلمة إن فهي للشرط ، وأما كلمة ( ما ) فهي أيضاً للشرط كقوله تعالى : * ( ما ننسخ من آية ) * ( البقرة : 106 ) فلما جمع بين هاتين الكلمتين أفاد التأكيد في معنى الاشتراط ، إلا أن علامة الجزم لم تظهر مع نون التوكيد ، لأن الفعل يبنى مع نون التأكيد وأقول لقائل أن يقول : إن نون التأكيد إنما يليق بالموضع الذي يكون اللائق به تأكيد ذلك الحكم المذكور وتقريره وإثباته على أقوى الوجوه ، إلا أن هذا المعنى لا يليق بهذا الموضع ، لأن قول القائل : الشيء إما كذا وإما كذا ، فالمطلوب منه ترديد الحكم بين ذينك الشيئين المذكورين ، وهذا الموضع لا يليق به التقرير والتأكيد فكيف يليق الجمع بين كلمة إما وبين نون التأكيد ؟ وجوابه : أن المراد أن هذا الحكم المتقرر المتأكد إما أن يقع وإما أن لا يقع والله أعلم . المسألة الثانية : قرأ الأكثرون : * ( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) * وعلى هذا التقدير فقوله : * ( يبلغن ) * فعل وفاعله هو قوله : * ( أحدهما ) * وقوله : * ( أو كلاهما ) * عطف عليه كقولك : ضرب زيد أو عمرو : ولو أسند قوله : * ( يبلغن ) * إلى قوله : * ( كلاهما ) * جاز لتقدم الفعل ، تقول قال رجل ، وقال رجلان ، وقالت الرجال ، وقرأ حمزة والكسائي : * ( يبلغان ) * وعلى هذه القراءة فقوله : * ( أحدهما ) * بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين وكلاهما عطف على أحدهما فاعلاً أو بدلاً . فإن قيل : لو قيل إما يبلغان كلاهما كان كلاهما توكيداً لا بدلاً ، فلم زعمتم أنه بدل ؟ قلنا : لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيداً للاثنين فانتظم في حكمه ، فوجب أن يكون مثله في كونه بدلاً . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال قوله : * ( أحدهما ) * بدل ، وقوله : * ( أو كلاهما ) * توكيد ، ويكون ذلك عطفاً للتوكيد على البدل .