فخر الدين الرازي
188
تفسير الرازي
قلنا : العطف يقتضي المشاركة فجعل أحدهما بدلاً والآخر توكيداً خلاف الأصل والله أعلم . المسألة الثالثة : قال أبو الهيثم الرازي ، وأبو الفتح الموصلي ، وأبو علي الجرجاني : إن كلاً اسم مفرد يفيد معنى التثنية ووزنه فعل ولامه معتل بمنزلة لام حجي ورضي وهي كلمة وضعت على هذه الخلقة يؤكد بها الاثنان خاصة ولا تكون إلا مضافة . والدليل عليه أنها لو كانت تثنية لوجب أن يقال في النصب والخفض مررت بكلي الرجلين بكسر الياء كما تقول : بين يدي الرجل ومن ثلثي الليل . ويا صاحبي السجن . وطرفي النهار ولما لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أنها ليست تثنية بل هي لفظة مفردة وضعت للدلالة على التثنية كما أن لفظة كل اسم واحد موضوع للجماعة ، فاذن أخبرت عن لفظة كما تخبر عن الواحد كقوله تعالى : * ( وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ) * ( مريم : 95 ) وكذلك إذا أخبرت عن كلا أخبرت عن واحد فقلت كلا إخوتك كان قائماً قال الله تعالى : * ( كلتا الجنتين آتت أكلها ) * ( الكهف : 33 ) ولم يقل آتتا والله أعلم . المسألة الرابعة : قوله : * ( يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) * معناه : أنهما يبلغان إلى حالة الضعف والعجز فيصيران عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أول العمر . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الجملة فعند هذا الذكر كلف الإنسان في حق الوالدين بخمسة أشياء : النوع الأول : قوله تعالى : * ( فلا تقل لهما أف ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الزجاج : فيه سبع لغات : كسر الفاء وضمها وفتحها ، وكل هذه الثلاثة بتنوين وبغير تنوين فهذه ستة واللغة السابعة أفي بالياء قال الأخفش : كأنه أضاف هذا القول إلى نفسه فقال قولي هذا وذكر ابن الأنباري : من لغات هذه اللفظة ثلاثة زائدة على ما ذكره الزجاج : * ( أف ) * بكسر الألف وفتح الفاء وافه بضم الألف وادخال الهاء و * ( أف ) * بضم الألف وتسكين الفاء . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وابن عامر : بفتح الفاء من غير تنوين ، ونافع وحفص : بكسر الفاء والتنوين ، والباقون : بكسر الفاء من غير تنوين وكلها لغات ، وعلى هذا الخلاف في سورة الأنبياء * ( أف لكم ) * ( الأنبياء : 67 ) وفي الأحقاف : * ( أف لكما ) * ( الأحقاف : 17 ) وأقول : البحث المشكل ههنا أنا لما نقلنا عشرة أنواع من اللغات في هذه اللفظة ، فما السبب في أنهم تركوا أكثر تلك اللغات في قراءة هذه اللفظة ، واقتصروا على وجوه قليلة منها ؟ المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير هذه اللفظة وجوهاً : الأول : قال الفراء : تقول العرب جعل فلان يتأفف من ريح وجدها ، معناه يقول : أف أف . الثاني : قال الأصمعي : الأف وسخ الأذن . والتف وسخ الظفر . يقال ذلك عند استقذار الشيء ، ثم كثر حتى استعملوا عند كل ما يتأذون به .