فخر الدين الرازي
186
تفسير الرازي
والزمانة ، وقيل لأبي العلاء المعري : ماذا نكتب على قبرك ؟ قال اكتبوا عليه : هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد وقال في ترك التزوج والولد : وتركت أولادي وهم في نعمة العدم التي سبقت نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة ترمي بهم في موبقات الآجل وقيل للإسكندر : أستاذك أعظم منة عليك أم والدك ؟ فقال : الأستاذ أعظم منة ، لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي أرتعني في نور العلم ، وأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه ، وأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد ، ومن الكلمات المشهورة المأثورة ، خير الآباء من علمك . والجواب : هب أنهما في أول الأمر طلبا لذة الوقاع إلا أن الاهتمام بإيصال الخيرات ، وفي دفع الآفات من أول دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر أليس أنه أعظم من جميع ما يتخيل من جهات الخيرات والمبرات ، فسقطت هذه الشبهات والله أعلم . المسألة الثانية : قوله : * ( وبالوالدين إحساناً ) * قال أهل اللغة : تقدير الآية وقضى ربك ألا تعبدوا إلا الله وأن تحسنوا ، أو يقال : وقضى ألا تعبدوا إلا إياه وأحسنوا بالوالدين إحساناً . قال صاحب " الكشاف " : ولا يجوز أن تتعلق الباء في * ( وبالوالدين ) * بالإحسان لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته ثم لم يذكر دليلاً على أن المصدر لا يجوز أن تتقدم عليه صلته . وقال الواحدي في " البسيط " : الباء في * ( وبالوالدين ) * من صلة الإحسان وقدمت عليه كما تقول بزيد فامرر ، وهذا المثال الذي ذكره الواحدي غير مطابق ، لأن المطلوب تقديم صلة المصدر عليه ، والمثال المذكور ليس كذلك . المسألة الثالثة : قال القفال : لفظ الإحسان قد يوصل بحرف الباء تارة ، وبحرف إلى أخرى ، وكذلك الإساءة ، يقال : أحسنت به وإليه . وأسأت به وإليه . قال الله تعالى : * ( وقد أحسن بي ) * ( يوسف : 100 ) وقال القائل : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت وأقول لفظ الآية مشتمل على قيود كثيرة كل واحد منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين : أحدها : أنه تعالى قال في الآية المتقدمة : * ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً ) * ( الإسراء : 19 ) ثم إنه تعالى أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة فذكر من جملتها البر بالوالدين ، وذلك يدل على أن هذه الطاعة من