فخر الدين الرازي
185
تفسير الرازي
الوجه الأول : أن السبب الحقيقي لوجود الإنسان هو تخليق الله تعالى وإيجاده ، والسبب الظاهري هو الأبوان ، فأمر بتعظيم السبب الحقيقي ، ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري . الوجه الثاني : أن الموجود إما قديم وإما محدث ، ويجب أن تكون معاملة الإنسان مع الإله القديم بالتعظيم والعبودية ، ومع المحدث بإظهار الشفقة وهو المراد من قوله عليه السلام : " التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله " وأحق الخلق بصرف الشفقة إليه هو الأبوان لكثرة إنعامهما على الإنسان فقوله : * ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) * إشارة إلى التعظيم لأمر الله وقوله : * ( وبالوالدين إحساناً ) * إشارة إلى الشفقة على خلق الله . الوجه الثالث : أن الاشتغال بشكر المنعم واجب ، ثم المنعم الحقيقي هو الخالق سبحانه وتعالى . وقد يكون أحد من المخلوقين منعماً عليك ، وشكره أيضاً واجب لقوله عليه السلام : " من لم يشكر الناس لم يشكر الله " وليس لأحد من الخلائق نعمة على الإنسان مثل ما للوالدين وتقريره من وجوه : أحدها : أن الولد قطعة من الوالدين ، قال عليه السلام : " فاطمة بضعة مني " . وثانيها : أن شفقة الأبوين على الولد عظيمة وجدهما في إيصال الخير إلى الولد كالأمر الطبيعي واحترازهما عن إيصال الضرر إليه كالأمر الطبيعي ، ومتى كانت الدواعي إلى إيصال الخير متوفرة ، والصوارف عنه زائلة لا جرم كثر إيصال الخير ، فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة أكثر من كل نعمة تصل من إنسان إلى إنسان . وثالثها : أن الإنسان حال ما يكون في غاية الضعف ونهاية العجز ، يكون في إنعام الأبوين فأصناف نعمهما في ذلك الوقت واصلة إليه ، وأصناف رحمة ذلك الولد واصلة إلى الوالدين في ذلك الوقت ، ومن المعلوم أن الإنعام إذا كان واقعاً على هذا الوجه كان موقعه عظيماً . ورابعها : أن إيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه وقد يمتزج بهذا الغرض سائر الأغراض ، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض فقط . فكان الإنعام فيه أتم وأكمل ، فثبت أنه ليس لأحد من المخلوقين نعمة على غيره مثل ما للوالدين على الولد ، فبدأ الله تعالى بشكر نعمة الخالق وهو قوله : * ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) * ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين وهو قوله : * ( وبالوالدين إحسانا ) * والسبب فيه ما بينا أن أعظم النعم بعد إنعام الإله الخالق نعمة الوالدين . فإن قيل : الوالدان إنما طلبا تحصيل اللذة لنفسيهما فلزم منه دخول الولد في الوجود وحصوله في عالم الآفات والمخافات ، فأي إنعام للأبوين على الولد ؟ حكي أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول : هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد . وعرضني للموت والفقر والعمى