فخر الدين الرازي
169
تفسير الرازي
* ( اقرأ كتابك ) * قال الحسن : يقرؤه أمياً كان أو غير أمي ، وقال بكر بن عبد الله : يؤتى بالمؤمن يوم القيامة بصحيفته وهو يقرؤها وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها ، وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها ، حتى إذا ظن أنها أوبقته قال الله تعالى : " اذهب فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك " فيعظم سروره ، ويصير من الذين قال في حقهم : * ( وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة ) * ( عبس : 38 ، 39 ) ثم يقول : * ( هاؤم اقرؤا كتابيه ) * ( الحاقة : 19 ) . وأما قوله : * ( كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ) * أي محاسباً . قال الحسن : عدل والله في حقك من جعلك حسيب نفسك . قال السدي : يقول الكافر يومئذ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد ، فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له : * ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ) * والله أعلم . المسألة الرابعة : قال حكماء الإسلام : هذه الآية في غاية الشرف ، وفيها أسرار عجيبة في أبحاث : البحث الأول : أنه تعالى جعل فعل العبد كالطير الذي يطير إليه ، وذلك لأنه تعالى قدر لكل أحد في الأزل مقداراً من الخير والشر ، فذلك الحكم الذي سبق في علمه الأزلي وحكمه الأزلي لا بد وأن يصل إليه ، فذلك الحكم كأنه طائر يطير إليه من الأزل إلى ذلك الوقت ، فإذا حضر ذلك الوقت وصل إليه ذلك الطائر وصولاً لا خلاص له البتة ولا انحراف عنه البتة . وإذا علم الإنسان في كل قول وفعل ولمحة وفكرة أنه كان ذلك بمنزلة طائر طيره الله إليه على منهج معين وطريق معين ، وأنه لا بد وأن يصل إليه ذلك الطائر ، فعند ذلك عرف أن الكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية . والبحث الثاني : أن هذه التقديرات إنما تقدرت بإلزام الله تعالى . وذلك باعتبار أنه تعالى جعل لكل حادث حادثاً متقدماً عليه لحصول الحادث المتأخر ، فلما كان وضع هذه السلسلة من الله لا جرم كان الكل من الله ، وعند هذا يتخيل الإنسان طيوراً لا نهاية لها ولا غاية لأعدادها ، فإنه تعالى طيرها من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب ، وأنها صارت وطارت طيراناً لا بداية له ولا غاية له ، وكان كل واحد منها متوجهاً إلى ذلك الإنسان المعين في الوقت المعين بالصفة المعينة ، وهذا هو المراد من قوله : * ( ألزمناه طائره في عنقه ) * . البحث الثالث : أن التجربة تدل على أن تكرار الأعمال الاختيارية تفيد حدوث الملكة النفسانية الراسخة في جوهر النفس ، ألا ترى أن من واظب على تكرار قراءة درس واحد صار ذلك الدرس محفوظاً ، ومن واظب على عمل واحد مدة مديدة صار ذلك العمل ملكة له . إذا عرفت هذا فنقول : لما كان التكرار الكثير يوجب حصول الملكة الراسخة وجب