فخر الدين الرازي
170
تفسير الرازي
أن يحصل لكل واحد من تلك الأعمال أثر ما في جوهر النفس ، فإنا لما رأينا أن عند توالي القطرات الكثيرة من الماء على الحجر حصلت الثقبة في الحجر ، علمنا أن لكل واحد من تلك القطرات أثراً ما في حصول ذلك الثقب وإن كان ضعيفاً قليلاً ، وإن كانت الكتابة أيضاً في عرف الناس عبارة عن نقوش مخصوصة اصطلح الناس على جعلها معرفات لألفاظ مخصوصة ، فعلى هذا ، دلالة تلك النقوش على تلك المعاني المخصوصة دلالة كائنة جوهرية واجبة الثبوت ، ممتنعة الزوال ، كان الكتاب المشتمل على تلك النقوش أولى باسم الكتاب من الصحيفة المشتملة على النقوش الدالة بالوضع والاصطلاح . وإذا عرفت هاتين المقدمتين فنقول : إن كل عمل يصدر من الإنسان كثيراً كان أو قليلاً قوياً كان أو ضعيفاً ، فإنه يحصل منه لا محالة في جوهر النفس الإنسانية أثر مخصوص ، فإن كان ذلك الأثر أثراً لجذب جوهر الروح من الخلق إلى حضرة الحق كان ذلك من موجبات السعادات والكرامات . وإن كان ذلك الأثر أثراً لجذب الروح من حضرة الحق إلى الاشتغال بالخلق كان ذلك من موجبات الشقاوة والخذلان . إلا أن تلك الآثار تخفى ما دام الروح متعلقاً بالبدن ، لأن اشتغال الروح بتدبير البدن يمنع من انكشاف هذه الأحوال وتجليها وظهورها ، فإذا انقطع تعلق الروح عن تدبير البدن فهناك تحصل القيامة لقوله عليه الصلاة والسلام : " من مات فقد قامت قيامته " ومعنى كون هذه الحالة قيامة أن النفس الناطقة كأنها كانت ساكنة مستقرة في هذا الجسد السفلي ، فإذا انقطع ذلك التعلق ، قامت النفس وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي ، فهذا هو المراد من كون هذه الحالة قيامة ، ثم عند حصول القيامة بهذا المعنى زال الغطاء وانكشف الوطاء ، وقيل له * ( فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) * ( ق : 22 ) وقوله : * ( ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ) * معناه : ونخرج له عند حصول هذه القيامة من عمق البدن المظلم كتاباً مشتملاً على جميع تلك الآثار الحاصلة بسبب الأحوال الدنيوية ، ويكون هذا الكتاب في هذا الوقت منشوراً ، لأن الروح حين كانت في البدن كانت هذه الأحوال فيه مخفية فكانت كالمطوية . أما بعد انقطاع التعلق الجسداني ظهرت هذه الأحوال وجلت وانكشفت فصارت كأنها مكشوفة منشورة بعد أن كانت مطوية ، وظاهرة بعد أن كانت مخفية ، وعند ذلك تشاهد القوة العقلية جميع تلك الآثار مكتوبة بالكتابة الذاتية في جوهر الروح فيقال له في تلك الحالة : * ( اقرأ كتابك ) * ثم يقال له : * ( كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ) * فإن تلك الآثار إن كانت من موجبات السعادة حصلت السعادة لا محالة ، وإن كانت من موجبات الشقاوة حصلت الشقاوة لا محالة ، فهذا تفسير هذه الآية بحسب الأحوال الروحانية .