فخر الدين الرازي
161
تفسير الرازي
واعلم أن قوله تعالى : * ( ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً ) * ( إبراهيم : 161 ) يدل على كون هذا الدين مستقيماً ، وقوله في هذه الآية : * ( للتي هي أقوم ) * يدل على أن هذا الدين أقوم من سائر الأديان . وأقول : قولنا هذا الشيء أقوم من ذاك ، إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة ، ثم كان حصول معنى الاستقامة في إحدى الصورتين أكثر وأكمل من حصوله في الصورة الثانية ، وهذا محال لأن المراد من كونه مستقيماً كونه حقاً وصدقاً ، ودخول التفاوت في كون الشيء حقاً وصدقاً محال ، فكان وصفه بأنه أقوم مجازاً ، إلا أن لفظ الأفعل قد جاء بمعنى الفاعل كقولنا : الله أكبر أي الله كبير ، وقولنا : الأشج والناقص أعدلا بني مروان ، أي : عادلاً بني مروان ، أو يحمل هذا اللفظ على الظاهر المتعارف . والله أعلم . البحث الثاني : قوله : * ( للتي هي أقوم ) * نعت لموصوف محذوف ، والتقدير : يهدي للملة أو الشريعة أو الطريقة التي هي أقوم الملل والشرائع والطرق ، ومثل هذه الكناية كثيرة الاستعمال في القرآن كقوله : * ( ادفع بالتي هي أحسن ) * ( فصلت : 34 ) أي بالخصلة التي هي أحسن . أما قوله : * ( ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً ) * فاعلم أنه تعالى وصف القرآن بثلاثة أنواع من الصفات : الصفة الأولى : أنه يهدي للتي هي أقوم ، وقد مر تفسيره . والصفة الثانية : أنه يبشر الذين يعملون الصالحات بالأجر الكبير ، وذلك لأن الصفة الأولى لما دلت على كون القرآن هادياً إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح ، وجب أن يظهر لهذا الصواب والصلاح أثر ، وذلك هو الأجر الكبير لأن الطريق الأقوم لا بد وأن يفيد الربح الأكبر والنفع الأعظم . والصفة الثالثة : قوله : * ( وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذاباً أليماً ) * وذلك لأن الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح ، كما يوجب لفاعله النفع الأكمل الأعظم ، فكذلك تركه يوجب لتاركه الضرر الأعظم الأكمل . واعلم أن قوله : * ( وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة ) * عطف على قوله : * ( أن لهم أجراً كبيراً ) * والمعنى أنه تعالى بشر المؤمنين بنوعين من البشارة بثوابهم وبعقاب أعدائهم ، ونظيره قوله : بشرت زيداً أنه سيعطى وبأن عدوه سيمنع . فإن قيل : كيف يليق لفظ البشارة بالعذاب ؟ قلنا : مذكور على سبيل التهكم ، أو يقال : إنه من باب إطلاق اسم الضدين على الآخر ، كقوله : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) .