فخر الدين الرازي

162

تفسير الرازي

فإن قيل : هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة ، فكيف يليق بهذا الموضع قوله : * ( وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذاباً أليماً ) * . قلنا عنه جوابان : أحدهما : أن أكثر اليهود ينكرون الثواب والعقاب الجسمانيين ، والثاني : أن بعضهم قال : * ( لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات ) * ( آل عمران : 24 ) فهم في هذا القول صاروا كالمنكرين للآخرة ، والله أعلم . قوله تعالى * ( وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ باِلْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً ) * وفي الآية مباحث : البحث الأول : اعلم أن وجه النظم هو أن الإنسان بعد أن أنزل الله عليه القرآن وخصه بهذه النعمة العظيمة والكرامة الكاملة ، قد يعدل عن التمسك بشرائعه والرجوع إلى بياناته ، ويقدم على ما لا فائدة فيه فقال : * ( ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير ) * . البحث الثاني : اختلفوا في المراد من دعاء الإنسان بالشر على أقوال : القول الأول : المراد منه : النضر بن الحرث حيث قال : * ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ) * ( الأنفال : 32 ) فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته ، فكان بعضهم يقول : ائتنا بعذاب الله . وآخرون يقولون : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين . وإنما فعلوا ذلك للجهل واعتقاد أن محمداً كاذب فيما يقول . والقول الثاني : المراد أنه في وقت الضجر يلعن نفسه وأهله وولده وماله ، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً فأقبل يئن بالليل فقالت له : ما لك تئن ؟ فشكى ألم القيد فأرخت له من كتافه ، فلما نامت أخرج يده وهرب ، فلما أصبح النبي عليه الصلاة والسلام دعا به فأعلم بشأنه ، فقال عليه الصلاة والسلام : " اللهم اقطع يدها " فرفعت سودة يدها تتوقع أن يقطع الله يدها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني سألت الله أن يجعل دعائي على من لا يستحق عذاباً من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما تغضبون ، فلترد سودة يدها " . والقول الثالث : أقول : يحتمل أن يكون المراد : أن الإنسان قد يبالغ في الدعاء طلباً لشيء يعتقد أن خيره فيه ، مع أن ذلك الشيء يكون منبع شره وضرره ، وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء ، وإنما يقدم على مثل هذا العمل لكونه عجولاً مغتراً بظواهر الأمور غير متفحص عن حقائقها وأسرارها .