فخر الدين الرازي
100
تفسير الرازي
على الصانع الحليم العليم القدير ؟ وعاشرها : قيل لطبيب : بم عرفت ربك ؟ قال باهليلج مجفف أطلق ، ولعاب ملين أمسك ! وقال آخر : عرفته بنحلة بأحد طرفيها تعسل ، والآخر تلسع ! والعسل مقلوب اللسع . وحادي عشرها : حكم البديهية في قوله : * ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) * ( الزخرف : 87 ) ، * ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ) * ( غافر : 87 ) . المسألة الرابعة : قال القاضي : الفائدة في قوله : * ( الذي خلقكم ) * أن العبادة لا تستحق إلا بذلك ، فلما ألزم عباده بالعبادة بين ماله ولأجله تلزم العبادة . فإن قيل فما الفائدة في قوله : * ( والذين من قبلكم ) * وخلق الله من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة عليهم ، قلنا الجواب من وجهين : الأول : إن الأمر وإن كان على ما ذكرت ولكن علمهم بأن الله تعالى خلقهم كعلمهم بأنه تعالى خلق من قبلهم لأن طريقة العلم بذلك واحدة . الثاني : أن من قبلهم كالأصول لهم ، وخلق الأصول يجري مجرى الأنعام على الفروع فكأنه تعالى يذكرهم عظيم إنعامه عليهم ، كأنه تعالى يقول : لا تظن أني إنما أنعمت عليك حين وجدت بل كنت منعماً عليك قبل أن وجدت بألوف سنين بسبب أني كنت خالقاً لأصولك وآبائك . المسألة الخامسة : في قوله تعالى : * ( لعلكم تتقون ) * بحثان : البحث الأول : أن كلمة لعل للترجي والإشفاق ، تقول لعل زيداً يكرمني وقال تعالى : * ( لعله يتذكر أو يخشى ) * ( طه : 44 ) ، * ( لعل الساعة قريب ) * ( الشورى : 17 ) ألا ترى إلى قوله : * ( والذين آمنوا مشفقون منها ) * ( الشورى : 18 ) والترجي والإشفاق لا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة وذلك على الله تعالى محال ، فلا بدّ فيه من التأويل وهو من وجوه : أحدها : أن معنى " لعل " راجع إلى العباد لا إلى الله تعالى فقوله : * ( لعله يتذكر أو يخشى ) * أي اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما في إيمانه ، ثم الله تعالى عالم بما يؤول إليه أمره . وثانيها : أن من عادة الملوك والعظماء أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا لعل وعسى ونحوهما من الكلمات ، أو للظفر منهم بالرمزة ، أو الابتسامة أو النظرة الحلوة فإذا عثر على شيء من ذلك لم يبق للطالب شك في الفوز بالمطلوب فعلى هذا الطريق ورد لفظ لعل في كلام الله تعالى . وثالثها : ما قيل أن لعل بمعنى كي ، قال صاحب " الكشاف " : ولعل لا يكون بمعنى كي ، ولكن كلمة لعل للأطماع ، والكريم الرحيم إذا أطمع فعلى ما يطمع فيه لا محالة تجري أطماعه مجرى وعده المحتوم ، فلهذا السبب قيل لعل في كلام الله تعالى بمعنى كي . ورابعها : أنه تعالى فعل بالمكلفين ما لو فعله غيره لاقتضى رجاء حصول المقصود ، لأنه تعالى لما أعطاهم القدرة على الخير والشر وخلق لهم العقول الهادية وأزاح أعذارهم ، فكل من فعل بغيره ذلك فإنه يرجو منه حصول المقصود ، فالمراد من لفظة لعل فعل ما لو فعله غيره لكان موجباً للرجاء . خامسها : قال القفال : لعل مأخوذ من تكرر الشيء كقولهم عللاً بعد نهل ، واللام فيها هي لام التأكيد كاللام التي تدخل في لقد ، فأصل لعل عل ، لأنهم يقولون علك أن تفعل كذا ، أي