فخر الدين الرازي
101
تفسير الرازي
لعلك ، فإذا كانت حقيقته التكرير والتأكيد كان قول القائل : افعل كذا لعلك تظفر بحاجتك معنا . افعله فإن فعلك له يؤكد طلبك له ويقويك عليه . البحث الثاني : أن لقائل أن يقول : إذا كانت العبادة تقوى فقوله : * ( اعبدوا ربكم لعلكم تتقون ) * جار مجرى قوله : اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون . أو اتقوا ربكم لعلكم تتقون ، والجواب من وجهين : الأول : لا نسلم أن العبادة نفس التقوى ، بل العبادة فعل يحصل به التقوى ، لأن الاتقاء هو الاحتراز عن المضار ، والعبادة فعل المأمور به ، ونفس هذا الفعل ليس هو نفس الاحتراز عن المضار بل يوجب الاحتراز ، فكأنه تعالى قال : اعبدوا ربكم لتحترزوا به عن عقابه ، وإذا قيل في نفس الفعل إنه اتقاء فذلك مجاز لأن الاتقاء غير ما يحصل به الاتقاء ، لكن لاتصال أحد الأمرين بالآخر أجرى اسمه عليه . الثاني : أنه تعالى إنما خلق المكلفين لكي يتقوا ويطيعوا على ما قال : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( الذاريات : 56 ) فكأنه تعالى أمر بعبادة الرب الذي خلقهم لهذا الغرض ، وهذا التأويل لائق بأصول المعتزلة . المسألة السادسة : قرأ أبو عمرو : خلقكم بالإدغام وقرأ أبو السميفع : وخلق من قبلكم وقرأ زيد بن علي : والذين من قبلكم . قال صاحب " الكشاف " : الوجه فيه أنه أفحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيداً كما أقحم جرير في قوله : يا تيم تيم عدي لا أبا لكموا تيما الثاني بين الأول وما أضيف إليه . أما قوله تعالى : * ( الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : لفظ " الذي " وهو موصول مع صلته ، إما أن يكون في محل النصب وصفاً للذي خلقكم أو على المدح والتعظيم ، وإما أن يكون رفعاً على الابتداء ، وفيه ما في النصب من المدح . المسألة الثانية : " الذي " كلمة موضوعة للإشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة ، كقولك ذهب الرجل الذي أبوه منطلق ، فأبوه منطلق قضية معلومة ، فإذا حاولت تعريف الرجل بهذه القضية المعلومة أدخلت عليه الذي ، وهو تحقيق قولهم . إنه مستعمل لوصف المعارف بالجمل ، إذا ثبت هذا فقوله : * ( الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء ) * يقتضي أنهم كانوا عالمين بوجود شيء جعل الأرض فراشاً والسماء بناء وذلك تحقيق قوله تعالى : * ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) * ( لقمان : 25 ، الزمر : 38 ) . المسألة الثالثة : أن الله تعالى ذكر ههنا خمسة أنواع من الدلائل اثنين من الأنفس وثلاثة من الآفاق ، فبدأ أولاً بقوله : * ( خلقكم ) * وثانياً : بالآباء والأمهات ، وهو قوله : * ( والذين من قبلكم ) * وثالثاً : بكون الأرض فراشاً ، ورابعاً : بكون السماء بناء ، وخامساً : بالأمور الحاصلة من مجموع السماء