فخر الدين الرازي
65
تفسير الرازي
شراً ، وما زادتك إلا فساداً فكذا هؤلاء المنافقون لما كانوا كافرين ثم دعاهم الله إلى شرائع دينه فكفروا بتلك الشرائع وازدادوا بسبب ذلك كفراً لا جرم أضيفت زيادة كفرهم إلى الله . الثالث : المراد من قوله : * ( فزادهم الله مرضاً ) * المنع من زيادة الألطاف ، فيكون بسبب ذلك المنع خاذلاً لهم وهو كقوله : * ( قاتلهم الله أنى يؤفكون ) * ( المنافقون : 4 ) الرابع : أن العرب تصف فتور الطرف بالمرض ، فيقولون : جارية مريضة الطرف . قال جرير : إن العيون التي في طرفها مرض * قتلننا ثم لم يحيين قتلانا فكذا المرض ههنا إنما هو الفتور في النية ، وذلك لأنهم في أول الأمر كانت قلوبهم قوية على المحاربة والمنازعة وإظهار الخصومة ، ثم انكسرت شوكتهم فأخذوا في النفاق بسبب ذلك الخوف والانكسار ، فقال تعالى : * ( فزادهم الله مرضاً ) * أي زادهم ذلك الانكسار والجبن والضعف ، ولقد حقق الله تعالى ذلك بقوله : * ( وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ) * ( الحشر : 2 ) الخامس : أن يحمل المرض على ألم القلب ، وذلك أن الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه ، فإذا دام به ذلك فربما صار ذلك سبباً لغير مزاج القلب وتألمه ، وحمل اللفظ على هذا الوجه حمل له على حقيقته ، فكان أولى من سائر الوجوه . أما قوله : * ( ولهم عذاب أليم ) * قال صاحب " الكشاف " : ألم فهو أليم ، كوجع فهو وجيع ، ووصف العذاب به فهو نحو قوله : تحية بينهم ضرب وجيع . وهذا على طريقة قولهم : جد جده ، والألم في الحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد ، أما قوله : * ( بما كانوا يكذبون ) * ففيه أبحاث . أحدها : أن الكذب هو الخبر عن شيء على خلاف ما هو به والجاحظ لا يسميه كذباً إلا إذا علم المخبر كون المخبر عنه مخالفاً للخبر ، وهذا الآية حجة عليه . وثانيها : أن قوله : * ( ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) * صريح في أن كذبهم علة للعذاب الأليم ، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب حراماً فأما ما روي أن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات ، فالمراد التعريض ، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به . وثالثها : في هذه الآية قراءتان . إحداهما : * ( يكذبون ) * والمراد بكذبهم قوله : * ( آمنا بالله وباليوم الآخر ) * . والثانية : " يكذبون " من كذبه الذي هو نقيض صدقه ، ومن كذب الذي هو مبالغة في كذب ، كما بولغ في صدق فقيل صدق . * ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ ) * .