فخر الدين الرازي

66

تفسير الرازي

إعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين ، والكلام فيه من وجوه : أحدها : أن يقال : من القائل * ( لا تفسدوا في الأرض ) * ؟ وثانيها : ما الفساد في الأرض ؟ وثالثها : من القائل : * ( إنما نحن مصلحون ) * ؟ ورابعها : ما الصلاح ؟ . أما المسألة الأولى : فمنهم من قال : ذلك القائل هو الله تعالى ، ومنهم من قال : هو الرسول عليه السلام ، ومنهم من قال بعض المؤمنين ، وكل ذلك محتمل ، ولا يجوز أن يكون القائل بذلك من لا يختص بالدين والنصيحة ، وإن كان الأقرب هو أن القائل لهم ذلك من شافههم بذلك ، فإما أن يكون الرسول عليه السلام بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك فنصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح بمنزلة سائر المؤمنين ، وإما أن يقال : إن بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبله منهم وكان ينقلب واعظاً لهم قائلاً لهم : * ( لا تفسدوا ) * فإن قيل : أفما كانوا يخبرون الرسول عليه السلام بذلك ؟ قلنا : نعم ، إلا أن المنافقين كانوا إذا عوتبوا عادوا إلى إظهار الإسلام والندم وكذبوا الناقلين عنهم وحلفوا بالله عليه كما أخبر تعالى عنهم في قوله : * ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ) * ( التوبة : 74 ) وقال : * ( يحلفون لكم لترضوا عنهم ) * ( التوبة : 96 ) . المسألة الثانية : الفساد خروج الشيء عن كونه منتفعاً به ، ونقيضه الصلاح فأما كونه فساداً في الأرض فإنه يفيد أمراً زائداً ، وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي : أن المراد بالفساد في الأرض إظهار معصية الله تعالى ، وتقريره ما ذكره القفال رحمه الله وهو أن إظهار معصية الله تعالى إنما كان إفساداً في الأرض ، لأن الشرائع سنن موضوعة بين العباد ، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه ، فحقنت الدماء وسكنت الفتن ، وكان فيه صلاح الأرض وصلاح أهلها ، أما إذا تركوا التمسك بالشرائع وأقدم كل أحد على ما يهواه لزم الهرج والمرج والاضطراب ، ولذلك قال تعالى : * ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ) * ( محمد : 22 ) نبههم على أنهم إذا أعرضوا عن الطاعة لم يحصلوا إلا على الإفساد في الأرض به ، وثانيها : أن يقال ذلك الفساد هو مداراة المنافقين للكافرين ومخالطتهم معهم ، لأنهم لما مالوا إلى الكفر مع أنهم في الظاهر مؤمنون أوهم ذلك ضعف الرسول صلى الله عليه وسلم وضعف أنصاره ، فكان ذلك يجرئ الكفرة على إظهار عداوة الرسول ونصب الحرب له وطمعهم في الغلبة ، وفيه فساد عظيم في الأرض . وثالثها : قال الأصم : كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ، وجحد الإسلام ، وإلقاء الشبه . المسألة الثالثة : الذين قالوا إنما نحن مصلحون هم المنافقون ، والأقرب في مرادهم أن يكون نقيضاً لما نهوا عنه ، فلما كان الذي نهوا عنه هو الإفساد في الأرض كان قولهم : * ( إنما نحن مصلحون ) * كالمقابل له ، وعند ذلك يظهر احتمالان : أحدهما : أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب ، وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين ، لا جرم قالوا : إنما نحن مصلحون ، لأنهم في اعتقادهم ما سعوا إلا لتطهير وجه الأرض عن الفساد . وثانيهما : أنا إذا فسرنا * ( لا تفسدوا ) * بمداراة المنافقين للكفار