فخر الدين الرازي

52

تفسير الرازي

أن يكتب على جبين الكافر أنه كافر ، فإذا لم يمنع ذلك من الإيمان فكذا هذا الكافر يمكنه أن يزيل تلك السمة عن قلبه بأن يأتي بالإيمان ويترك الكفر . قالوا : وإنما خص القلب والسمع بذلك ؛ لأن الأدلة السمعية لا تستفاد إلا من جهة السمع ، والأدلة العقلية لا تستفاد إلا من جانب القلب ، ولهذا خصهما بالذكر . فإن قيل : فيتحملون الغشاوة في البصر أيضاً على معنى العلامة ؟ قلنا لا ، لأنا إنما حملنا ما تقدم على السمة والعلامة ، لأن حقيقة اللغة تقتضي ذلك ، ولا مانع منه فوجب إثباته . أما الغشاوة فحقيقتها الغطاء المانع من الإبصار ومعلوم من حال الكفار خلاف ذلك فلا بدّ من حمله على المجاز ، وهو تشبيه حالهم بحال من لا ينتفع ببصره في باب الهداية . فهذا مجموع أقوال الناس في هذا الموضع . المسألة الثالثة : الألفاظ الواردة في القرآن القريبة من معنى الختم هي : الطبع ، والكنان ، والرين على القلب ، والوقر في الآذان ، والغشاوة في البصر ثم الآيات الواردة في ذلك مختلفة فالقسم الأول : وردت دلالة على حصول هذه الأشياء قال : * ( كلا بل ران على قلوبهم ) * ( المطففين : 14 ) * ( وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي أذانهم وقراً ) * ( الأنعام : 25 ) * ( وطبع على قلوبهم ) * ( التوبة : 87 ) * ( بل طبع الله عليها بكفرهم ) * ( النساء : 155 ) * ( فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ) * ( فصلت : 4 ) * ( لينذر من كان حياً ) * ( يس : 70 ) * ( إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ) * النحل : 80 ) * ( أموات غير أحياء ) * * ( في قلوبهم مرض ) * ( البقرة : 10 ) والقسم الثاني : وردت دلالة على أنه لا مانع البتة * ( وما منع الناس أن يؤمنوا ) * ( الأسراء : 94 ) * ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) * ( الكهف : 29 ) * ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) * ( البقرة : 286 ) * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * ( الحج : 78 ) * ( كيف تكفرون بالله ) * ( البقرة : 28 ) * ( لم تلبسون الحق بالباطل ) * ( آل عمران : 71 ) والقرآن مملوء من هذين القسمين ، وصار كل قسم منهما متمسكاً لطائفة ، فصارت الدلائل السمعية لكونها من الطرفين واقعة في حيز التعارض . أما الدلائل العقلية فهي التي سبقت الإشارة إليها ، وبالجملة فهذه المسألة من أعظم المسائل الإسلامية وأكثرها شعباً وأشدها شغباً ، ويحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة فقال لا ، لأنهم نزهوه ، فسئل عن أهل السنّة فقال لا ، لأنهم عظموه ، والمعنى أن كلا الفريقين ما طلب إلا إثبات جلال الله وعلو كبريائه ، إلا أن أهل السنّة وقع نظرهم على العظمة فقالوا : ينبغي أن يكون هو الموجد ولا موجد سواه ، والمعتزلة وقع نظرهم على الحكمة فقالوا لا يليق بجلال حضرته هذه القبائح ، وأقول : ههنا سر آخر ، وهو أن إثبات الإله يلجئ إلى القول بالجبر ، لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح ، وهو نفي الصانع ، ولو توقفت لزم الجبر . وإثبات الرسول يلجئ إلى القول بالقدرة . بل ههنا سر آخر هو فوق الكل ، وهو أنا لما رجعنا إلى الفطرة السليمة والعقل الأول وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه لا يترجح أحدهما على الآخر إلا لمرجح ، وهذا يقتضي الجبر ، ونجد أيضاً تفرقة بديهية بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية وجزماً بديهياً بحسن المدح وقبح الذم والأمر والنهي ، وذلك يقتضي مذهب المعتزلة ، فكأن