فخر الدين الرازي
53
تفسير الرازي
هذه المسألة وقعت في حيز التعارض بحسب العلوم الضرورية ، وبحسب العلوم النظرية ، وبحسب تعظيم الله تعالى نظراً إلى قدرته وحكمته ، وبحسب التوحيد والتنزيه وبحسب الدلائل السمعية ، فلهذه المآخذ التي شرحناها والأسرار التي كشفنا عن حقائقها صعبت المسألة وغمضت وعظمت ، فنسأل الله العظيم أن يوفقنا للحق وأن يختم عاقبتنا بالخير آمين رب العالمين . المسألة الخامسة : قال صاحب الكشاف : اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم ، وفي حكم التغشية ، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم ، لقوله تعالى : * ( وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ) * ( الجاثية : 23 ) ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم . المسألة السادسة : الفائدة في تكرير الجار في قوله : * ( وعلى سمعهم ) * أنها لما أعيدت للأسماع كان أدل على شدة الختم في الموضعين . المسألة السادسة : إنما جمع القلوب والأبصار ووحد السمع لوجوه : أحدها : أنه وحد السمع ، لأن لكل واحد منهم سمعاً واحداً ، كما يقال : أتاني برأس الكبشين ، يعني رأس كل واحد منهما ، كما وحد البطن في قوله : " كلوا في بعض بطنكم تعيشوا " يفعلون ذلك إذا أمنوا اللبس ، فإذا لم يؤمن كقولك . فرشهم وثوبهم وأنت تريد الجمع رفضوه . الثاني : أن السمع مصدر في أصله ، والمصادر لا تجمع يقال : رجلان صوم ، ورجال صوم ، فروعي الأصل ، يدل على ذلك جمع الأذن في قوله : * ( وفي آذاننا وقر ) * ( فصلت : 5 ) الثالث : أن نقدر مضافاً محذوفاً أي وعلى حواس سمعهم . الرابع قال سيبويه : إنه وحد لفظ السمع إلا أنه ذكر ما قبلة وما بعده بلفظ الجمع ، وذلك يدل على أن المراد منه الجمع أيضاً ، قال تعالى : * ( يخرجهم من الظلمات إلى النور ) * ( البقرة : 257 ) * ( عن اليمين وعن الشمال ) * ( المعارج : 37 ) قال الراعي : فبها جيف الحيدي فأما عظامها * فبيض وأما جلدها فصليب وإنما أراد جلودها ، وقرأ ابن أبي عبلة ( وعلى أسماعهم ) . المسألة السابعة : من الناس من قال : السمع أفضل من البصر ، لأن الله تعالى حيث ذكرهما قدم السمع على البصر ، والتقديم دليل على الفضيل ، ولأن السمع شرط النبوة بخلاف البصر ، ولذلك ما بعث الله رسولاً أصم ، وقد كان فيهم من كان مبتلي بالعمى ، ولأن بالسمع تصل نتائج عقول البعض إلى البعض ، فالسمع كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف ، والبصر لا يوقفك إلا على المحسوسات ، ولأن السمع متصرف في الجهات الست بخلاف البصر ، ولأن السمع متى بطل بطل النطق ، والبصر إذا بطل لم يبطل النطق . ومنهم من قدم البصر ، لأن آلة القوة الباصرة أشرف ، ولأن متعلق القوة الباصرة هو النور ، ومتعلق القوة السامعة الريح . المسألة الثامنة : قوله : * ( ختم الله على قلوبهم ) * يدل على أن محل العلم هو القلب . واستقصينا بيانه في قوله : * ( نزل به الروح الأمين على قلبك ) * ( الشعراء : 193 ) في سورة الشعراء .