فخر الدين الرازي

3

تفسير الرازي

كونها معربة : الثالث : هذه الأسماء معربة وإنما سكنت سكون سائر الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد موجبه ، والدليل على أن سكونها وقف لا بناء أنها لو بنيت لحذي بها حذو كيف وأين وهؤلاء ولم يقل صاد قاف نون مجموع فيها بين الساكنين . معاني آلم : المسألة الثانية : للناس في قوله تعالى : * ( آلم ) * وما يجري مجراه من الفواتح قولان : أحدهما : أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله تبارك وتعالى به . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور ، وقال علي رضي الله عنه : إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي . وقال بعض العارفين : العلم بمنزلة البحر فأجرى منه وادٍ ثم أجرى من الوادي نهر . ثم أجرى من النهر جدول ، ثم أجرى من الجدول ساقية ، فلو أجرى إلى الجدول ذلك الوادي لغرقه وأفسده ، ولو سال البحر إلى الوادي لأفسده ، وهو المراد من قوله تعالى : * ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) * ( الرعد : 17 ) فبحور العلم عند الله تعالى ، فأعطي الرسل منها أودية ، ثم أعطت الرسل من أوديتهم أنهاراً إلى العلماء ، ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغاراً على قدر طاقتهم ، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم . وعلى هذا ما روي في الخبر " للعلماء سر ، وللخلفاء سر . وللأنبياء سر ، وللملائكة سر ، ولله من بعد ذلك كله سر ، فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم ، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم ، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم ، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لاتهموهم ، ولو اطلع الملائكة على سر الله تعالى لطاحوا حائرين ، وبادوا بائرين . والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية ، كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش ، فلما زيدت الأنبياء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار النبوة ، ولما زيدت العلماء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار ما عجزت العامة عنه ، وكذلك علماء الباطن ، وهم الحكماء زيد في عقولهم فقدروا على احتمال ما عجزت عنه علماء الظاهر . وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال : سر الله فلا تطلبوه ، وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال : عجزت العلماء عن إدراكها ، وقال الحسين بن الفضل : هو من المتشابه . واعلم أن المتكلمين أنكروا هذا القول هذا القول ، وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوماً للخلق ، واحتجوا عليه بالآيات والأخبار والمعقول . حجج المتكلمين بالآيات : أما الآيات فأربعة عشر . أحدها : قوله تعالى : * ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) * ( محمد : 24 ) أمرهم بالتدبر في القرآن ، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه وثانيها : قوله : * ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) * ( النساء : 82 ) فكيف يأمرهم بالتدبر فيه لمعرفة نفي الناقص والاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق ؟ وثالثها : قوله : * ( وأنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ) * ( الشعراء : 192 - 195 ) فلو لم يكن مفهوماً بطل كون الرسول صلى الله عليه وسلم منذراً به ، وأيضاً قوله : * ( بلسان عربي مبين ) * يدل على أنه نازل بلغة العرب ، وإذا