فخر الدين الرازي

4

تفسير الرازي

كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهوماً . ورابعها : قوله : * ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) * والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه وخامسها : قوله : * ( تبياناً لكل شيء ) * ( النحل : 89 ) وقوله : * ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) * وسادسها : قوله : * ( هدى للناس ) * ( البقرة : 185 ) ، * ( هدى للمتقين ) * ( البقرة : 2 ) وغير المعلوم لا يكون هدى وسابعها : قوله : * ( حكمة بالغة ) * ( القمر : 5 ) وقوله : * ( وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) * ( يونس : 57 ) وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم وثامنها : قوله : * ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ) * ( المائدة : 15 ) وتاسعها : قوله : * ( أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ، إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ) * ( العنكبوت : 51 ) وكيف يكون الكتاب كافياً وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم ؟ وعاشرها : قوله تعالى : * ( هذا بلاغ للناس ولينذروا به ) * فكيف يكون بلاغاً ، وكيف يقع الإنذار به مع أنه غير معلوم ؟ وقال في آخر الآية * ( وليذكر أولوا الألباب ) * ( إبراهيم : 52 ) وإنما يكون كذلك لو كان معلوماً الحادي عشر : قوله : * ( قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً ) * ( النساء : 174 ) فكيف يكون برهان ونوراً مبيناً مع أنه غير معلوم ؟ الثاني عشر : قوله : * ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ) * ( طه : 123 ، 124 ) فكيف يمكن اتباعه والأعراض عنه غير معلوم ؟ الثالث عشر : * ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) * ( الإسراء : 9 ) فكيف يكون هادياً مع أنه غير معلوم ؟ الرابع عشر : قوله تعالى : * ( آمن الرسول - إلى قوله سمعنا وأطعنا ) * ( البقرة : 285 ) والطاعة لا تمكن إلا بعد الفهم فوجب كون القرآن مفهوماً . الاحتجاج بالأخبار : وأما الأخبار : فقوله عليه السلام : " إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنّتي " فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم ؟ وعن علي رضي الله عنه أنه عليه السلام قال : عليكم بكتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن اتبع الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، والذكر الحكيم والصراط المستقيم ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تشبع منه العلماء ، ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن خاصم به فلج ، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم . الاحتجاج بالمعقول : أما المعقول فمن وجوه : أحدها : أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية ، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا وثانيها : أن المقصود من الكلام الإفهام ، فلو لم يكن مفهوماً لكانت المخاطبة به عبثاً وسفهاً ، وأنه لا يليق بالحكيم وثالثها : أن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلوماً لا يجوز وقوع التحدي به ، فهذا مجموع كلام المتكلمين ، واحتج مخالفوهم بالآية ، والخبر ، والمعقول . احتجاج مخالفي المتكلمين بالآيات : أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن وأنه غير معلوم ، لقوله تعالى : * ( وما يعلم تأويله إلا الله ) * والوقف ههنا واجب لوجوه . أحدها : أن قوله تعالى : * ( والراسخون في العلم ) * ( آل عمران : 7 ) لو كان معطوفاً على قوله : * ( إلا الله ) * لبقي * ( يقولون آمنا به ) * منقطعاً عنه وأنه غير جائز لأنه وحده لا يفيد ، لا يقال أنه حال ،