فخر الدين الرازي
13
تفسير الرازي
ويؤيده قوله : * ( إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ) * ( المزمل : 5 ) وهذا في سورة المزمل ، وهي إنما نزلت في ابتداء المبعث ، وثالثها : أنه تعالى خاطب بني إسرائيل ، لأن سورة البقرة مدنية ، وأكثرها احتجاج على بني إسرائيل ، وقد كانت بنو إسرائيل أخبرهم موسى وعيسى عليهما السلام أن الله يرسل محمداً صلى الله عليه وسلم وينزل عليه كتاباً فقال تعالى : * ( ذلك الكتاب ) * أي الكتاب الذي أخبر الأنبياء المتقدمون بأن الله تعالى سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل ، ورابعها : أنه تعالى لما أخبر عن القرآن بأنه في اللوح المحفوظ بقوله : * ( وإنه في أم الكتاب لدينا ) * ( الزخرف : 4 ) وقد كان عليه السلام أخبر أمته بذلك ، فغير ممتنع أن يقول تعالى : * ( ذلك الكتاب ) * ليعلم أن هذا المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ . وخامسها : أنه وقعت الإشارة بذلك إلى " آلم " بعد ما سبق التكلم به وانقضى ، والمنقضي في حكم المتباعد ، وسادسها : أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد ، كما تقول لصاحبك - وقد أعطيته شيئاً - احتفظ بذلك . وسابعها : أن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة وعلوم كثيرة يتعسر اطلاع القوة البشرية عليها بأسرها - والقرآن وإن كان حاضراً نظراً إلى صورته لكنه غائب نظراً إلى أسراره وحقائقه - فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب . " ذلك " يشار بها للقريب والبعيد : المقام الثاني : سلمنا أن المشار إليه حاضر ، لكن لا نسلم أن لفظة . " ذلك " لا يشار بها إلا إلى البعيد ، بيانه أن ذلك ، وهذا حرفاً إشارة ، وأصلهما " ذا " ؛ لأنه حرف للإشارة ، قال تعالى : * ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ) * ( البقرة : 245 ) ومعنى " ها " تنبيه ، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل : هذا ، أي تنبه أيها المخاطب لما أشرت إليه فإنه حاضر لك بحيث تراه ، وقد تدخل الكاف على " ذا " للمخاطبة واللام لتأكيد معنى الإشارة فقيل : " ذلك " فكأن المتكلم بالغ في التنبيه لتأخر المشار إليه عنه ، فهذا يدل على أن لفظة ذلك لا تفيد البعد في أصل الوضع ، بل اختص في العرف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها ، فصارت كالدابة ، فإنها مختصة في العرف بالفرس ، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض ، وإذا ثبت هذا فنقول : إنا نحمله ههنا على مقتضى الوضع اللغوي ، لا على مقتضى الوضع . العرفي ، وحينئذٍ لا يفيد البعد ؛ ولأجل هذه المقاربة يقام كل واحد من اللفظين مقام الآخر قال تعالى : * ( واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق - إلى قوله - وكل من الأخيار ) * ( ص : 45 - 48 ) ثم قال : * ( هذا ذكر ) * ( الأنبياء : 24 ) وقال : * ( وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب ) * ( ص : 52 ، 53 ) وقال : * ( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ) * ( ق : 19 ) وقال : * ( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) * ( النازعات : 25 ، 26 ) وقال : * ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) * ( الأنبياء : 105 ) ثم قال : * ( إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين ) * ( الأنبياء : 106 ) وقال : * ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموت ) * ( البقرة : 73 ) أي هكذا يحيى الله الموتى ، وقال : * ( وما تلك بيمينك يا موسى ) * ( طه : 17 ) أي ما هذه التي بيمينك والله أعلم . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث ، وهو السورة ،