فخر الدين الرازي
14
تفسير الرازي
الجواب : لا نسلم أن المشار إليه مؤنث ؛ لأن المؤنث إما المسمى أو الاسم ، والأول باطل ، لأن المسمى هو ذلك البعض من القرآن وهو ليس بمؤنث ، وأما الاسم فهو ( آلم ) وهو ليس بمؤنث ، نعم ذلك المسمى له اسم آخر - وهو السورة - وهو مؤنث ، لكن المذكور السابق هو الاسم الذي ليس بمؤنث وهو ( آلم ) ، لا الذي هو مؤنث وهو السورة . مدلول لفظ " كتاب " : المسألة الثالثة : اعلم أن أسماء القرآن كثيرة : أحدها : الكتاب وهو مصدر كالقيام والصيام وقيل : فعال بمعنى مفعول كاللباس بمعنى الملبوس ، واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال : * ( كتاب أنزلناه إليك ) * ( ص : 29 ) والكتاب جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الفرض * ( كتب عليكم القصاص ) * ( البقرة : 178 ) * ( كتب عليكم الصيام ) * ( البقرة : 183 ) * ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ) * ( النساء : 103 ) وثانيها : الحجة والبرهان * ( فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ) * ( الصافات : 157 ) أي برهانكم . وثالثها : الأجل * ( وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ) * ( الحجر : 4 ) أي أجل . ورابعها : بمعنى مكاتبة السيد عبده * ( والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ) * ( النور : 33 ) وهذا المصدر فعال بمعنى المفاعلة كالجدال والخصام والقتال بمعنى المجادلة والمخاصمة والمقاتلة ، واشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته ، وسميت الكتيبة لاجتماعها ، فسمي الكتاب كتاباً لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات ، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم ، أو لأن الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق . اشتقاق لفظ " قرآن " : وثانيها : القرآن * ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ) * ( الإسراء : 88 ) * ( إنا جعلناه قرآناً عربياً ) * ( الزخرف : 3 ) * ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) * ( البقرة : 185 ) . * ( إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم ) * ( الإسراء : 9 ) وللمفسرين فيه قولان : أحدهما : قول ابن عباس أن القرآن والقراءة واحد ، كالخسران والخسارة واحد ، والدليل عليه قوله : * ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) * ( القيامة : 18 ) أي تلاوته ، أي إذا تلوناه عليك فاتبع تلاوته : الثاني : وهو قول قتادة أنه مصدر من قول القائل : قرأت الماء في الحوض إذا جمعته ، وقال سفيان بن عيينة : سمي القرآن قرآناً لأن الحروف جمعت فصارت كلمات ، والكلمات جمعت فصارت آيات ، والآيات جمعت فصارت سوراً ، والسور جمعت فصارت قرآناً ، ثم جمع فيه علوم الأولين والآخرين . فالحاصل أن اشتقاق لفظ القرآن إما من التلاوة أو من الجمعية . معنى الفرقان : وثالثها : الفرقان * ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ) * ( الفرقان : 1 ) . * ( وبينات من الهدى والفرقان ) * ( البقرة : 185 ) واختلفوا في تفسيره ، فقيل : سمي بذلك لأن نزوله كان متفرقاً أنزله في نيف وعشرين سنة ، ودليله قوله تعالى : * ( وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً ) * ( الإسراء : 106 ) ونزلت سائر الكتب جملة واحدة ، ووجه الحكمة فيه ذكرناه في سورة الفرقان في قوله تعالى : * ( وقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ) * ( الفرقان : 32 ) وقيل : وقال الذين كفروا سمي بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل ، والحلال والحرام ، والمجمل والمبين ، والمحكم والمؤول ، وقيل : الفرقان هو النجاة ، وهو قول عكرمة والسدي ، وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة ،