فخر الدين الرازي
12
تفسير الرازي
سيبويه مثله في حم وطس ويس لو قرىء به ، وحكى السيرافي أن بعضهم قرأ " يس " بفتح النون ؛ وأن يكون الفتح جراً ، وذلك بأن يقدرها مجرورة بإضمار الباء القسمية ، فقد جاء عنهم : " الله لأفعلن " غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة ، ويتأكد هذا بما روينا عن بعضهم " أن الله تعالى أقسم بهذه الحروف " ، وثانيتهما : قراءة بعضهم صاد بالكسر . وسببه التحريك لالتقاء الساكنين . أما القسم الثاني - وهو ما لا يتأتى الإعراب فيه - فهو يجب أن يكون محكياً ، ومعناه أن يجاء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته الأولى كقولك : " دعني من تمرتان " . الثاني : أن الله تعالى أورد في هذه الفواتح نصف أسامي حروف المعجم : أربعة عشر سواء ، وهي : الألف ، واللام ، والميم ، والصاد ، والراء ، والكاف ، والهاء ، والياء ، والعين والطاء ، والسين ، والحاء ، والقاف ، والنون في تسع وعشرين سورة . الثالث : هذه الفواتح جاءت مختلفة الأعداد ، فوردت " ص ق ن " على حرف ، و " طه وطس ويس وحم " على حرفين ، و " آلم والر وطسم " على ثلاثة أحرف ، والمص والمر على أربعة أحرف ، و " كهعيص وحم عسق " على خمسة أخرف ، والسبب فيه أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف فقط فكذا ههنا . الرابع : هل لهذه الفواتح محل من الإعراب أم لا ؟ فنقول : إن جعلناها أسماء للسور فنعم ، ثم يحتمل الأوجه الثلاثة ، أما الرفع فعلى الابتداء ، وأما النصب والجر فلما مر من صحة القسم بها ، ومن لم يجعلها أسماء للسور لم يتصور أن يكون لها محل على قوله ، كما لا محل للجمل المبتدأ وللمفردات المعدودة . الإشارة في " ذلك الكتاب " : * ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنفِقُونَ ) * . قوله تعالى : * ( ذلك الكتاب ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول : المشار إليه ههنا حاضر ، و " ذلك " اسم مبهم يشار به إلى البعيد ، والجواب عنه من وجهين : الأول : لا نسلم أن المشار إليه حاضر ، وبيانه من وجوه : أحدها : ما قاله الأصم : وهو أن الله تعالى أنزل الكتاب بعضه بعد بعض ، فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة ، وهي كل ما نزل بمكة مما فيه الدلالة على التوحيد وفساد الشرك وإثبات النبوة وإثبات المعاد ، فقوله : * ( ذلك ) * إشارة إلى تلك السور التي نزلت قبل هذه السورة ، وقد يسمى بعض القرآن قرآناً ، قال الله تعالى : * ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له ) * ( الأعراف : 204 ) وقال حاكياً عن الجن * ( إنا سمعنا قرآناً عجبا ) * ( الجن : 1 ) وقوله : * ( إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى ) * ( الأحقاف : 30 ) وهم ما سمعوا إلا البعض ، وهو الذي كان قد نزل إلى ذلك الوقت ، وثانيها : أنه تعالى وعد رسوله عند مبعثه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماحي ، وهو عليه السلام أخبر أمته بذلك وروت الأمة ذلك عنه ،