فخر الدين الرازي

103

تفسير الرازي

الرصاصة فإنها إذا انبسطت طفت على الماء ، وإن جمعت رسبت وهذا باطل الوجهين : الأول : أن البحث عن سبب وقوف الماء والهواء كالبحث عن سبب وقوف الأرض . والثاني : لم صار ذلك الجانب من الأرض منبسطاً حتى وقف على الماء وصار هذا الجانب متحدباً ؟ . وثالثها : الذين قالوا سبب سكون الأرض جذب الفلك لها من كل الجوانب فلم يكن انجذابها إلى بعض الجوانب أولى من بعض فبقيت في الوسط وهذا باطل لوجهين : الأول : أن الأصغر أسرع انجذاباً من الأكبر ، فما بال الذرة لا تنجذب إلى الفلك . الثاني : الأقرب أولى بالانجذاب فالذرة المقذوفة إلى فوق أولى بالانجذاب وكان يجب أن لا تعود . ورابعها : قول من جعل سبب سكونها دفع الفلك لها من كل الجوانب ، كما إذا جعل شيء من التراب في قنينة ثم أديرت القنينة على قطبها إدارة سريعة ، فإنه يقف التراب في وسط القنينة لتساوي الدفع من كل الجوانب . وهذا أيضاً باطل من وجوه خمسة . الأول : الدفع إذا بلغ في القوة إلى هذا الحد فلم لا يحس به الواحد منا ؟ الثاني : ما بال هذا الدفع لا يجعل حركة السحب والرياح إلى جهة بعينها . الثالث : ما باله لم يجعل انتقالها إلى المغرب أسهل من انتقالها إلى المشرق . الرابع : يجب أن يكون الثقيل كلما كان أعظم أن تكون حركته أبطأ ، لأن اندفاع الأعظم من الدافع القاسر ، أبطأ من اندفاع الأصغر . الخامس : يجب أن تكون حركة الثقيل النازل من الابتداء أسرع من حركته عند الانتهاء ، لأنه عند الابتداء ، أبعد من الفلك . وخامسها : أن الأرض بالطبع تطلب وسط الفلك ، وهو قول أرسطاطاليس وجمهور أتباعه ، وهذا أيضاً ضعيف ؛ لأن الأجسام متساوية في الجسمية ، فاختصاص البعض بالصفة التي لأجلها تطلب تلك الحالة لا بدّ وأن يكون جائزاً ، فيفتقر فيه إلى الفاعل المختار . وسادسها : قال أبو هاشم : النصف الأسفل من الأرض فيه اعتمادات صاعدة ، والنصف الأعلى فيه اعتمادات هابطة فتدافع الاعتمادان فلزم الوقوف . والسؤال عليه : أن اختصاص كل واحد من النصفين بصفة مخصوصة لا يمكن إلا بالفاعل المختار . فثبت بما ذكرنا أن سكون الأرض ليس إلا من الله تعالى . وعند هذا نقول : انظر إلى الأرض لتعرف أنها مستقرة بلا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها أما أنها لا علاقة فوقها فمشاهد ، على أنها لو كانت معلقة بعلاقة لاحتاجت العلاقة إلى علاقة أخرى لا إلى نهاية ، وبهذا الوجه ثبت أنه لا دعامة تحتها فعلمنا أنه لا بدّ من ممسك يمسكها بقدرته واختياره ولهذا قال الله تعالى : * ( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ) * ( فاطر : 41 ) . الشرط الثاني : في كون الأرض فراشاً لنا أن لا تكون في غاية الصلابة كالحجر ، فإن النوم والمشي عليه مما يؤلم البدن ، وأيضاً فلو كانت الأرض من الذهب مثلاً لتعذرت الزراعة عليها ، ولا يمكن اتخاذ الأبنية منه لتعذر حفرها وتركيبها كما يراد ؛ وأن لا تكون في غاية اللين ، كالماء الذي تغوص فيه الرجل : الشرط الثالث : أن لا تكون في غاية اللطافة والشفافية فإن الشفاف لا يستقر النور عليه ، وما كان كذلك فإنه لا يتسخن من الكواكب والشمس ، فكان يبرد جداً