فخر الدين الرازي
104
تفسير الرازي
فجعل الله كونه أغبر ، ليستقر النور عليه فيتسخن فيصلح أن يكون فراشاً للحيوانات . الشرط الرابع : أن تكون بارزة من الماء ، لأن طبع الأرض أن يكون غائصاً في الماء فكان يجب أن تكون البحار محيطة بالأرض ، ولو كانت كذلك لما كانت فراشاً لنا ، فقلب الله طبيعة الأرض وأخرج بعض جوانبها من الماء كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشاً لنا ، ومن الناس من زعم أن الشرط في كون الأرض فراشاً أن لا تكون كرة ، واستدل بهذه الآية على أن الأرض ليست كرة ، وهذا بعيد جداً ، لأن الكرة إذا عظمت جداً كانت القطعة منها كالسطح في إمكان الاستقرار عليه ، والذي يزيده تقريراً أن الجبال أوتاد الأرض ثم يمكن الاستقرار عليها ، فهذا أولى والله أعلم . المسألة الخامسة : في سائر منافع الأرض وصفاتها . فالمنفعة الأولى : الأشياء المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار العلوية والسفلية لا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى الثانية : أن يتخمر الرطب بها فيحصل التماسك في أبدان المركبات . الثالثة : اختلاف بقاع الأرض ، فمنها أرض رخوة ، وصلبة ، ورملة ، وسبخة ، وحرة ، وهي قوله تعالى : * ( وفي الأرض قطع متجاورات ) * ( الرعد : 4 ) وقال : * ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً ) * ( الأعراف : 58 ) الرابعة : اختلاف ألوانها فأحمر ، وأبيض ، وأسود ، ورمادي اللون ، وأغبر ، على ما قال تعالى : * ( ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ) * . الخامسة : انصداعها بالنبات ، قال تعالى : * ( والأرض ذات الصدع ) * ( الطارق : 12 ) . السادسة : كونها خازنة للماء المنزل من السماء وإليه الإشارة بقوله تعالى : * ( وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ) * ( المؤمنون : 18 ) وقوله : * ( قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين ) * ( الملك : 30 ) السابعة : العيون والأنهار العظام التي فيها وإليه الإشارة بقوله ) * ( وجعل فيها رواسي وأنهاراً ) * . الثامنة : ما فيها من المعادن والفلزات ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : * ( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ) * ( الحجر : 19 ) ثم بين بعد ذلك تمام البيان ، فقال : * ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) * ( الحجر : 21 ) . التاسعة : الخبء الذي تخرجه الأرض من الحب والنوى قال تعالى : * ( إن الله فالق الحب والنوى ) * ( الأنعام : 95 ) وقال : * ( يخرج الخبء في السماوات والأرض ) * ( النحل : 25 ) ثم إن الأر لها طبع الكرم لأنك تدفع إليها حبة واحدة ، وهي تردها عليك سبعمائة * ( كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ) * ( البقرة : 261 ) . العاشرة : حياتها بعد موتها ؛ قال تعالى : * ( أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعاً ) * ( السجدة : 27 ) وقال : * ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون ) * ( يس : 33 ) الحادية عشرة : ما عليها من الدواب المختلفة الألوان والصور والخلق ، وإليه الإشارة بقوله : * ( خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة ) * ( لقمان : 10 ) . والثانية عشر : ما فيها من النبات المختلف ألوانه وأنواعه ومنافعه ، وإليه الإشارة بقوله : * ( وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ) * ( ق : 7 ) فاختلاف ألوانها دلالة ، واختلاف طعومها دلالة ، واختلاف روائحها دلالة ، فمنها قوت البشر ، ومنها قوت البهائم ، كما قال : * ( كلوا