فخر الدين الرازي

89

تفسير الرازي

نفي العلم بذواتهم إذ لو كانت ذواتهم معلومة ، وكان المجهول هو مدد أعمارهم وكيفية صفاتهم لما صح نفي العلم بذواتهم ، ولما كان ظاهر الآية دليلاً على نفي العلم بذواتهم لا جرم كان الأقرب هو القول الثاني ، ثم إنه تعالى حكى عن هؤلاء الأقوام الذين تقدم ذكرهم أنه لما جاءتهم رسلهم بالبينات والمعجزات أتوا بأمور : أولها : قوله : * ( فردوا أيديهم في أفواههم ) * وفي معناه قولان : الأول : أن المراد باليد والفم الخارجتان المعلومتان ، والثاني : أن المراد بهما شيء غير هاتين الجارحتين وإنما ذكرهما مجازاً وتوسعاً . أما من قال بالقول الأول ففيه ثلاثة أوجه : الوجه الأول : أن يكون الضمير في * ( أيديهم ) * و * ( أفواههم ) * عائداً إلى الكفار ، وعلى هذا ففيه احتمالات : الأول : أن الكفار ردوا أيديهم في أفواههم فعضوها من الغيظ والضجر من شدة نفرتهم عن رؤية الرسل واستماع كلامهم ، ونظيره قوله تعالى : * ( عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ) * ( آل عمران : 119 ) وهذا القول مروي عن ابن عباس وابن مسعود رحمهما الله تعالى ، وهو اختيار القاضي . والثاني : أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عجبوا منه وضحكوا على سبيل السخرية ، فعند ذلك ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل ذلك من غلبة الضحك فوضع يده على فيه ، والثالث : أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن كفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث ، وهذا مروي عن الكلبي . والرابع : أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم إنا كفرنا بما أرسلتم به ، أي هذا هو الجواب عندنا عما ذكرتموه ، وليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق ألا ترى إلى قوله : * ( فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به ) * . الوجه الثاني : أن يكون الضميران راجعين إلى الرسل عليهم السلام وفيه وجهان : الأول : أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم . الثاني : أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم فإن من ذكر كلاماً عند قوم وأنكروه وخافهم ، فذلك المتكلم ربما وضع يد نفسه على فم نفسه وغرضه أن يعرفهم أنه لا يعود إلى ذلك الكرم البتة . الوجه الثالث : أن يكون الضمير في أيديهم يرجع إلى الكفار وفي الأفواه إلى الرسل وفيه وجهان : الأول : أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء عليهم السلام ونصائحهم وكلامهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيباً لهم ورداً عليهم . والثاني : أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء عليهم السلام منعاً لهم من الكلام ، ومن بالغ في منع غيره من الكلام فقد يفعل به ذلك . أما على القول الثاني : وهو أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز ففيه وجوه :