فخر الدين الرازي
90
تفسير الرازي
الوجه الأول : قال أبو مسلم الأصفهاني : المراد باليد ما نطقت به الرسل من الحجج وذلك لأن اسماع الحجة انعام عظيم والإنعام يسمى يداً . يقال لفلان عندي يد إذا أولاه معروفاً ، وقد يذكر اليد . المراد منها صفقة البيع والعقد كقوله تعالى : * ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) * ( الفتح : 10 ) فالبينات التي كان الأنبياء عليهم السلام يذكرونها ويقررونها نعم وأياد ، وأيضاً العهود التي كانوا يأتون بها مع القوم أيادي وجمع اليد في العدد القليل هو الأيدي وفي العدد الكثير هو الأيادي ، فثبت أن بيانات الأنبياء عليهم السلام وعهودهم صح تسميتها بالأيدي ، وإذا كانت النصائح والعهود إنما تظهر من الفم فإذا لم تقبل صارت مردودة إلى حيث جاءت ، ونظيره قوله تعالى : * ( إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ) * ( النور : 15 ) فلما كان القبول تلقياً بالأفواه عن الأفواه كان الدفع رداً في الأفواه ، فهذا تمام كلام أبي مسلم في تقرير هذا الوجه . الوجه الثاني : نقل محمد بن جرير عن بعضهم أن معنى قوله : * ( فردوا أيديهم في أفواههم ) * أنهم سكتوا عن الجواب يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب ، رد يده في فيه وتقول العرب كلمت فلاناً في حاجة فرد يده في فيه إذا سكت عنه فلم يجب ، ثم إنه زيف هذا الوجه وقال : إنهم أجابوا بالتكذيب لأنهم قالوا : * ( إنا كفرنا بما أرسلتم به ) * . الوجه الثالث : المراد من الأيدي نعم الله تعالى على ظاهرهم وباطنهم ولما كذبوا الأنبياء فقد عرضوا تلك النعم للإزالة والإبطال فقوله : * ( ردوا أيديهم في أفواههم ) * أي ردوا نعم الله تعالى عن أنفسهم بالكلمات التي صدرت عن أفواههم ولا يبعد حمل " في " على معنى الباء لأن حروف الجر لا يمتنع إقامة بعضها مقام بعض . النوع الثاني : من الأشياء التي حكاها الله تعالى عن الكفار قولهم : * ( إنا كفرنا بما أرسلتم به ) * والمعنى : إنا كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم فيه لأنهم ما أقروا بأنهم أرسلوا . واعلم أن المرتبة الأولى هو أنهم سكتوا عن قبول قول الأنبياء عليهم السلام وحاولوا اسكات الأنبياء عن تلك الدعوى ، وهذه المرتبة الثانية أنهم صرحوا بكونهم كافرين بتلك البعثة . والنوع الثالث : قولهم : * ( وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ) * قال صاحب " الكشاف " : وقرئ * ( تدعونا ) * بادغام النون * ( مريب ) * موقع في الريبة أو ذي ريبة من أرابه ، والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر . فإن قيل : لما ذكروا في المرتبة الثانية أنهم كافرون برسالتهم كيف ذكروا بعد ذلك كونهم شاكين مرتابين في صحة قولهم ؟