فخر الدين الرازي

36

تفسير الرازي

والقول الثاني : قال السهروردي يسمى الماء وادياً إذا سال قال : ومنه سمي الودي ودياً لخروجه وسيلانه ، وعلى هذا القول فالوادي اسم للماء السائل كالمسيل . والأول هو القول المشهور إلا أن على هذا التقدير يكون قوله : * ( سالت أودية ) * مجازاً فكان التقدير : سالت مياه الأودية إلا أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . البحث الثاني : قال أبو علي الفارسي رحمه الله : الأودية جمع واد ولا نعلم فاعلاً جمع على أفعلة قال : ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد كعالم وعليم ، وشاهد وشهيد ، وناصر ونصير ، ثم إن وزن فاعل يجمع على أفعال كصاحب وأصحاب ، وطائر وأطيار ، ووزن فعيل يجمع على أفعلة ، كجريب وأجربة ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل وفعيل لا جرم يجمع الفاعل جمع الفعيل . فيقال : واد وأودية ويجمع الفعيل على جمع الفاعل فيقال : يتيم وأيتام وشريف وأشراف هذا ما قاله أبو علي الفارسي رحمه الله . وقال غيره : نظير واد وأودية ، ناد وأندية للمجالس . البحث الثالث : إنما ذكر لفظ أودية على سبيل التنكير ، لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فتسيل بعض أودية الأرض دون بعض . أما قوله تعالى : * ( بقدرها ) * ففيه بحثان : البحث الأول : قال الواحدي : القدر والقدر مبلغ الشيء يقال كم قدر هذه الدراهم وكم قدرها ومقدارها ؟ أي كم تبلغ في الوزن ، فما يكون مساوياً لها في الوزن فهو قدرها . البحث الثاني : * ( سالت أودية بقدرها ) * أي من الماء ، فإن صغر الوادي قل الماء ، وإن اتسع الوادي كثر الماء . أما قوله : * ( فاحتمل السيل زبداً رابياً ) * ففيه بحثان : البحث الأول : قال الفراء : يقال أزبد الوادي إزباداً ، والزبد الاسم ، وقوله : * ( رابياً ) * قال الزجاج : طافياً عالياً فوق الماء . وقال غيره : زائداً بسبب انتفاخه ، يقال : ربا يربو إذا زاد . أما قوله تعالى : * ( ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) * فاعلم أنه تعالى لما ضرب المثل بالزبد الحاصل من الماء ، أتبعه بضرب المثل بالزبد الحاصل من النار ، وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم * ( يوقدون ) * بالياء ، واختاره أبو عبيدة لقوله : * ( ينفع الناس ) * وأيضاً فليس ههنا مخاطب . والباقون بالتاء على الخطاب ، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان . الأول : أنه خطاب للمذكورين في قوله : * ( قل أفاتخذتم من دونه أولياء ) * . ( الرعد : 16 ) والثاني : أنه يجوز أن يكون خطاباً عاماً يراد به الكافة ، كأنه قال : ومما توقدون عليه في النار أيها الموقدون . البحث الثاني : الإيقاد على الشيء على قسمين : أحدهما : أن لا يكون ذلك الشيء في النار ،