فخر الدين الرازي
37
تفسير الرازي
وهو كقوله تعالى ) * ( فأوقد لي يا هامان على الطين ) * ( القصص : 38 ) والثاني : أن يوقد على الشيء ويكون ذلك الشيء في النار فإن من أراد تذويب الأجساد السبعة جعلها في النار ، فلهذا السبب قال ههنا : * ( ومما يوقدون عليه في النار ) * . البحث الثالث : في قوله : * ( ابتغاء حلية ) * قال أهل المعاني : الذي يوقد عليه لابتغاء حلية الذهب والفضة ، والذي يوقد عليه لابتغاء الأمتعة الحديد والنحاس والرصاص ، والأسرب يتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها ، والمتاع كل ما يتمتع به وقوله : * ( زبد مثله ) * أي زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل . ثم قال تعالى : * ( وكذلك يضرب الله الحق والباطل ) * والمعنى كذلك يضرب الله الأمثال للحق والباطل . ثم قال : * ( أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس ) * قال الفراء : الجفاء الرمي والاطراح يقال : جفا الوادي غثاءه يجفوه جفاء إذا رماه ، والجفاء اسم للمجتمع منه المنضم بعضه إلى بعض وموضع جفاء نصب على الحال ، والمعنى : أن الزبد قد يعلو على وجه الماء ويربو وينتفخ إلا أنه بالآخرة يضمحل ويبقى الجوهر الصافي من الماء ومن الأجساد السبعة ، فكذلك الشبهات والخيالات قد تقوى وتعظم إلا أنها بالآخرة تبطل وتضمحل وتزول ويبقى الحق ظاهراً لا يشوبه شيء من الشبهات ، وفي قراءة رؤبة بن العجاج جفالاً ، وعن أبي حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار . أما قوله تعالى : * ( للذين استجابوا لربهم الحسنى ) * ففيه وجهان : الأول : أنه تم الكلام عند قوله : * ( كذلك يضرب الله الأمثال ) * ثم استأنف الكلام بقوله : * ( للذين استجابوا لربهم الحسنى ) * ومحله الرفع بالابتداء وللذين خبره وتقديره لهم الخصلة الحسنى والحالة الحسنى . الثاني : أنه متصل بما قبله والتقدير : كأنه قال الذي يبقى هو مثل المستجيب والذي يذهب جفاء مثل من لا يستجيب ثم بين الوجه في كونه مثلاً وهو أنه لمن يستجيب الحسنى وهو الجنة ، ولمن لا يستجيب أنواع الحسرة والعقوبة ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير : كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الاستجابة الحسنى ، فيكون الحسنى صفة لمصدر محذوف . واعلم أنه تعالى ذكر ههنا أحوال السعداء وأحوال الأشقياء ، أما أحوال السعداء فهي قوله : * ( للذين استجابوا لربهم الحسنى ) * والمعنى أن الذين أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعدل والنبوة وبعث الرسل والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله فلهم الحسنى . قال ابن عباس : الجنة ، وقال أهل المعاني : الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن ، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرة