فخر الدين الرازي

223

تفسير الرازي

فالأدون ، وهذا الطريق هو المذكور في هذه السورة ، وذلك لأنه تعالى ابتدأ في الاحتجاج على وجود الإله المختار بذكر الأجرام العالية الفلكية ، ثم ثنى بذكر الاستدلال بأحوال الإنسان ، ثم ثلث بذكر الاستدلال بأحوال الحيوان ، ثم ربع بذكر الاستدلال بأحوال النبات ، ثم خمس بذكر الاستدلال بأحوال العناصر الأربعة ، وهذا الترتيب في غاية الحسن . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : النوع الأول : من الدلائل المذكورة على وجود الإله الحكيم الاستدلال بأحوال السماوات والأرض فقال : * ( خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون ) * وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : * ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ) * ( الأنعام : 1 ) إن لفظ الخلق من كم وجه يدل على الاحتياج إلى الخالق الحكيم ، ولا بأس بأن نعيد تلك الوجوه ههنا فنقول : الخلق عبارة عن التقدير بمقدار مخصوص ، وهذا المعنى حاصل في السماوات من وجوه : الأول : أن كل جسم متناه فجسم السماء متناه ، وكل ما كان متناهياً في الحجم والقدر ، كان اختصاصه بذلك القدر المعين دون الأزيد والأنقص أمراً جائزاً ، وكل جائز فلا بد له من مقدر ومخصص ، وكل ما كان مفتقراً إلى الغير فهو محدث . الثاني : وهو أن الحركة الأزلية ممتنعة ، لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير ، والأزل ينافيه فالجمع بين الحركة والأزل محال . إذا ثبت هذا فنقول : إما أن يقال أن الأجرام والأجسام كانت معدومة في الأزل ، ثم حدثت أو يقال إنها وإن كانت موجودة في الأزل إلا أنها كانت ساكنة ثم تحركت . وعلى التقديرين فلحركتها أول ، فحدوث الحركة من ذلك المبدأ دون ما قبله أو ما بعده خلق وتقدير ، فوجب افتقاره إلى مقدر وخالق ومخصص له . الثالث : أن جسم الفلك مركب من أجزاء بعضها حصلت في عمق جرم الفلك وبعضها في سطحه ، والذي حصل في العمق كان يعقل حصوله في السطح وبالعكس ، وإذا ثبت هذا كان اختصاص كل جزء بموضعه المعين أمراً جائزاً فيفتقر إلى المخصص والمقدر ، وبقية الوجوه مذكورة في أول سورة الأنعام . واعلم أنه سبحانه لما احتج بالخلق والتقدير على حدوث السماوات والأرض قال بعده : * ( تعالى عما يشركون ) * والمراد أن القائلين بقدم السماوات والأرض كأنهم أثبتوا لله شريكاً في كونه قديماً أزلياً فنزه نفسه عن ذلك ، وبين أنه لا قديم إلا هو ، وبهذا البيان ظهر أن الفائدة المطلوبة من قوله : * ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) * ( يونس : 18 ) في أول السورة غير الفائدة المطلوبة من ذكر هذه الكلمة ههنا ، لأن المطلوب هناك إبطال قول من يقول : إن الأصنام تشفع للكفار في دفع العقاب عنهم ، والمقصود