فخر الدين الرازي

224

تفسير الرازي

ههنا إبطال قول من يقول : الأجسام قديمة ، والسماوات والأرض أزلية ، فنزه الله سبحانه نفسه عن أن يشاركه غيره في الأزلية والقدم والله أعلم . قوله تعالى * ( خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ) * اعلم أن أشرف الأجسام بعد الأفلاك والكواكب هو الإنسان ، فلما ذكر الله تعالى الاستدلال على وجود الإله الحكيم بأجرام الأفلاك ، أتبعه بذكر الاستدلال على هذا المطلوب بالإنسان . واعلم أن الإنسان مركب من بدن ونفس ، فقوله تعالى : * ( خلق الإنسان من نطفة ) * إشارة إلى الاستدلال ببدنه على وجود الصانع الحكيم ، وقوله : * ( فإذا هو خصيم مبين ) * إشارة إلى الاستدلال بأحوال نفسه على وجود الصانع الحكيم . أما الطريق الأول : فتقريره أن نقول : لا شك أن النطفة جسم متشابه الأجزاء بحسب الحس والمشاهدة ، إلا أن من الأطباء من يقول إنه مختلف الأجزاء في الحقيقة ، وذلك لأنه إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع ، فإن الغذاء يحصل له في المعدة هضم أول وفي الكبد هضم ثان . وفي العروق هضم ثالث . وعند وصوله إلى جواهر الأعضاء هضم رابع . ففي هذا الوقت وصل بعض أجزاء الغذاء إلى العظم وظهر فيه أثر من الطبيعة العظيمة ، وكذا القول في اللحم والعصب والعروق وغيرها ثم عند استيلاء الحرارة على البدن عند هيجان الشهوة يحصل ذوبان من جملة الأعضاء ، وذلك هو النطفة ، وعلى هذا التقدير تكون النطفة جسماً مختلف الأجزاء والطبائع . إذا عرفت هذا فنقول : النطفة في نفسها إما أن تكون جسماً متشابه الأجزاء في الطبيعة والماهية ، أو مختلف الأجزاء فيها ، فإن كان الحق هو الأول لم يجز أن يكون المقتضى لتولد البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهر النطفة ودم الطمث ، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار . والقوة الطبيعية إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة ، وعلى هذا الحرف عولوا في قولهم البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعية في الكرة فلو كان المقتضى لتولد الحيوان من النطفة هو الطبيعة ، لوجب أن يكون شكلها الكرة . وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أن المقتضى لحدوث الأبدان الحيوانية ليس هو الطبيعة ، بل فاعل مختار ، وهو يخلق بالحكمة والتدبير والاختيار .