فخر الدين الرازي
213
تفسير الرازي
البحث الأول : في هذا اللفظ قولان : الأول : أنه صفة للمقتسمين . والثاني : أنه مبتدأ ، وخبره هو قوله : * ( لنسألنهم ) * وهو قول ابن زيد . البحث الثاني : ذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين : القول الأول : أن واحدها عضة مثل عزة وبرة وثبة ، وأصلها عضوة من عضيت الشيء إذا فرقته ، وكل قطعة عضة ، وهي مما نقص منها واو هي لام الفعل ، والتعضية التجزئة والتفريق ، يقال : عضيت الجزور والشاة تعضية إذا جعلتها أعضاء وقسمتها ، وفي الحديث : " لا تعضية في ميراث إلا فيما احتمل القسمة " أي لا تجزئه فيما لا يحتمل القسمة كالجوهرة والسيف . فقوله : * ( جعلوا القرآن عضين ) * يريد جزؤه أجزاء ، فقالوا : سحر وشعر وأساطير الأولين ومفترى . والقول الثاني ؛ أن واحدها عضة وأصلها عضهة ، فاستثقلوا الجمع بين هاءين ، فقالوا : عضة كما قالوا شفة ، والأصل شفهة بدليل قولهم : شافهت مشافهة ، وسنة وأصلها سنهة في بعض الأقوال ، وهو مأخوذ من العضة بمعنى الكذب ، ومنه الحديث : " إياكم والعضة " وقال ابن السكيت : العضة بأن يعضه الإنسان ويقول فيه ما ليس فيه . وهذا قول الخليل فيما روى الليث عنه ، فعلى هذا القول معنى قوله تعالى : * ( جعلوا القرآن عضين ) * أي جعلوه مفترى . وجمعت العضة جمع ما يعقل لما لحقها من الحذف ، فجعل الجمع بالواو والنون عوضاً مما لحقها من الحذف . * ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْاَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) * في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) * يحتمل أن يكون راجعاً إلى المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين ، لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى ، ويكون التقدير أنه تعالى أقسم بنفسه أن يسأل هؤلاء المقتسمين عما كانوا يقولونه من اقتسام القرآن وعن سائر المعاصي ، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى جميع المكلفين لأن ذكرهم قد تقدم في قوله : * ( وقل إني أنا النذير المبين ) * ( الحجر : 89 ) أي