فخر الدين الرازي

214

تفسير الرازي

لجميع الخلق وقد تقدم ذكر المؤمنين وذكر الكافرين ، فيعود قوله : * ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) * على الكل ، ولا معنى لقول من يقول إن السؤال إنما يكون عن الكفر أو عن الإيمان ، بل السؤال واقع عنهما وعن جميع الأعمال ، لأن اللفظ عام فيتناول الكل . فإن قيل : كيف الجمع بين قوله : * ( لنسألنهم أجمعين ) * وبين قوله : * ( فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ) * ( الرحمن : 39 ) أجابوا عنه من وجوه : الوجه الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يسئلون سؤال الاستفهام لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم ، وإنما يسئلون سؤال التقريع يقال لهم لم فعلتم كذا ؟ ولقائل أن يقول : هذا الجواب ضعيف ، لأنه لو كان المراد من قوله : * ( فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ) * سؤال الاستفهام لما كان في تخصيص هذا النفي بقوله يومئذ فائدة لأن مثل هذا السؤال على الله تعالى محال في كل الأوقات . والوجه الثاني : في الجواب أن يصرف النفي إلى بعض الأوقات ، والإثبات إلى وقت آخر ، لأن يوم القيامة يوم طويل . ولقائل أن يقول : قوله ؛ * ( فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ) * ( الرحمن : 39 ) هذا تصريح بأنه لا يحصل السؤال في ذلك اليوم ، فلو حصل السؤال في جزء من أجزاء ذلك اليوم لحصل التناقض . والوجه الثالث : أن نقول : قوله : * ( فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ) * يفيد عموم النفي وقوله : * ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) * عائد إلى المقتسمين وهذا خاص ولا شك أن الخاص مقدم على العام . أما قوله : * ( فاصدع بما تؤمر ) * فاعلم أن معنى الصدع في اللغة الشق والفصل ، وأنشد ابن السكيت لجرير : هذا الخليفة فارضوا ما قضى لكم * بالحق يصدع ما في قوله حيف فقال يصدع يفصل ، وتصدع القوم إذا تفرقوا ، ومنه قوله تعالى : * ( يومئذ يصدعون ) * ( الروم : 43 ) قال الفراء : يتفرقون . والصدع في الزجاجة الإبانة ، أقول ولعل ألم الرأس إنما سمي صداعاً لأن قحف الرأس عند ذلك الألم كأنه ينشق . قال الأزهري : وسمي الصبح صديعاً كما يسمى فلقاً . وقد انصدع وانفلق الفجر وانفطر الصبح . إذا عرفت هذا فقول : * ( فاصدع بما تؤمر ) * أي فرق بين الحق والباطل ، وقال الزجاج : فاصدع أظهر ما تؤمر به يقال : صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً كقولك صرح بها ، وهذا في الحقيقة يرجع أيضاً إلى الشق والتفريق ، أما قوله : * ( بما تؤمر ) * ففيه قولان : الأول : أن يكون " ما " بمعنى الذي