فخر الدين الرازي
194
تفسير الرازي
إخواناً على سرر متقابلين ) * إشارة إلى نفي المضار الروحانية وقوله : * ( لا يمسهم فيها نصب ) * إشارة إلى نفي المضار الجسمانية . وأما القيد الرابع : وهو كون تلك المنافع دائمة آمنة من الزوال فإليه الإشارة بقوله : * ( وما هم منها بمخرجين ) * فهذا ترتيب حسن معقول بناء على القيود الأربعة المعتبرة في ماهية الثواب ولحكماء الإسلام في هذه الآية مقال ، فإنهم قالوا : المراد من قوله : * ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) * إشارة إلى أن الأرواح القدسية النطقية نقية مطهرة عن علائق القوى الشهوانية والغضبية ، مبرأة عن حوادث الوهم والخيال ، وقوله : * ( إخواناً على سرر متقابلين ) * معناه أن تلك النفوس لما صارت صافية عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام ، ووقع عليها أنوار عالم الكبرياء والجلال فأشرقت بتلك الأنوار الإلهية ، وتلألأت بتلك الأضواء الصمدية ، فكل نور فاض على واحد منها انعكس منه على الآخر مثل المزايا المتقابلة المتحاذية ، فلكونها بهذه الصفة وقع التعبير عنها بقوله : * ( إخواناً على سرر متقابلين ) * والله أعلم . قوله تعالى * ( نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ الاَْلِيمُ ) * في الآية مسألتان : المسألة الأولى : أثبتت الهمزة الساكنة في ( نبىء ) صورة ، وما أثبتت في قوله : * ( دفء . وجزء ) * لأن ما قبلها ساكن فهي تحذف كثيراً وتلقى حركتها على الساكن قبلها ، ف ( - نبىء ) في الخط على تحقيق الهمزة ، وليس قبل همزة ( نبىء ) ساكن فأجروها على قياس الأصل : المسألة الثانية : اعلم أن عباد الله قسمان : منهم من يكون متقياً ، ومنهم من لا يكون كذلك ، فلما ذكر الله تعالى أحوال المتقين في الآية المتقدمة ، ذكر أحوال غير المتقين في هذه الآية فقال : * ( نبىء عبادي ) * . واعلم أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، فههنا وصفهم بكونهم عباداً له ، ثم أثبت عقيب ذكر هذا الوصف الحكم بكونه غفوراً رحيماً ، فهذا يدل على أن كل من اعترف بالعبودية ظهر في حقه كونه الله غفوراً رحيماً ومن أنكر ذلك كان مستوجباً للعقاب الأليم . وفي الآية لطائف : أحدها : أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله : * ( عبادي ) * وهذا تشريف عظيم . ألا ترى أنه لما أراد أن يشرف محمداً