فخر الدين الرازي

182

تفسير الرازي

قولان : الأول : فإذا سويت شكله بالصورة الإنسانية والخلقة البشرية . والثاني : فإذا سويت أجزاء بدنه باعتدال الطبائع وتناسب الأمشاج كما قال تعالى : * ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ) * ( الإنسان : 2 ) . وأما قوله : * ( ونفخت فيه من روحي ) * ففيه مباحث : الأول : أن النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر ، وظاهر هذا اللفظ يشعر بأن الروح هي الريح ، وإلا لما صح وصفها بالنفخ إلا أن البحث الكامل في حقيقة الروح سيجيء في قوله تعالى : * ( قل الروح من أمر ربي ) * ( الإسراء : 85 ) وإنما أضاف الله سبحانه روح آدم إلى نفسه تشريفاً له وتكريماً . وقوله : * ( فقعوا له ساجدين ) * فيه مباحث : أحدها : أن ذلك السجود كان لآدم في الحقيقة أو كان آدم كالقبلة لذلك السجود ، وهذا البحث قد تقدم ذكره في سورة البقرة . وثانيها : أن المأمورين بالسجود لآدم عليه السلام كل ملائكة السماوات أو بعضهم أو ملائكة الأرض ، من الناس من لا يجوز أن يقال : إن أكابر الملائكة كانوا مأمورين بالسجود لآدم عليه السلام ، والدليل عليه قوله تعالى في آخر سورة * ( الأعراف ) * في صفة الملائكة : * ( إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ) * فقوله : * ( وله يسجدون ) * ( الأعراف : 20 ) يفيد الحصر ، وذلك يدل على أنهم لا يسجدون إلا لله تعالى وذلك ينافي كونهم ساجدين لآدم عليه السلام أو لأحد غير الله تعالى أقصى ما في الباب أن يقال : إن قوله تعالى : * ( فقعوا له ساجدين ) * يفيد العموم ، إلا أن الخاص مقدم على العام . وثالثها : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى كما نفخ الروح في آدم عليه السلام وجب على الملائكة أن يسجدوا له ، لأن قوله : * ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) * مذكور بفاء التعقيب وذلك يمنع من التراخي وقوله : * ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) * قال الخليل وسيبويه قوله : * ( كلهم أجمعون ) * توكيد بعد توكيد ، وسئل المبرد عن هذه الآية فقال : لو قال فسجد الملائكة احتمل أن يكون سجد بعضهم ، فلما قال : * ( كلهم ) * زال هذا الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا ، ثم بعد هذا بقي احتمال آخر وهو أنهم سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد منهم في وقت آخر فلما قال : * ( أجمعون ) * ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة ، ولما حكى الزجاج هذا القول عن المبرد قال : وقول الخليل وسيبويه أجود ، لأن أجمعين معرفة فلا يكون حالاً وقوله : * ( إلا إبليس ) * أجمعوا على أن إبليس كان مأموراً بالسجود لآدم ، واختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا ؟ وقد سبقت هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة وقوله : * ( أبى أن يكون مع الساجدين ) * استئناف وتقديره أن قائلاً قال : هلا سجد فقيل : أبى ذلك واستكبر عنه . أما قوله : * ( قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين ) * فاعلم أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله : * ( قال يا إبليس ) * أي قال الله تعالى له يا إبليس وهذا يقتضي أنه تعالى تكلم معه ، فعند هذا قال