فخر الدين الرازي

183

تفسير الرازي

بعض المتكلمين : إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله ، إلا أن هذا ضعيف ، لأن إبليس قال في الجواب : * ( لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال ) * فقوله : * ( خلقته ) * خطاب الحضور لا خطاب الغيبة ، وظاهره يقتضي أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة وأن إبليس تكلم مع الله تعالى بغير واسطة ، وكيف يعقل هذا مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب ، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة ورئيسهم ، ولعل الجواب عنه أن مكالمة الله تعالى إنما تكون منصباً عالياً إذا كان على سبيل الإكرام والإعظام ، فأما إذا كان على سبيل الإهانة والإذلال فلا ، وقوله : * ( لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون ) * فيه بحثان : البحث الأول : اللام في قوله : * ( لأسجد ) * لتأكيد النفي ، ومعناه : لا يصح مني أن أسجد لبشر . البحث الثاني : معنى هذا الكلام أن كونه بشراً يشعر بكونه جسماً كثيفاً وهو كان روحانياً لطيفاً ، فالتفرقة حاصلة بينهما في الحال من هذا الوجه . كأنه يقول : البشر جسماني كثيف له بشرة ، وأنا روحاني لطيف ، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف ، والأدون كيف يكون مسجوداً للأعلى ، وأيضاً أن آدم مخلوق من صلصال تولد من حمأ مسنون ، فهذا الأصل في غاية الدناءة وأصل إبليس هو النار وهي أشرف العناصر ، فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم ، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون ، فالكلام الأول إشارة إلى الفرق الحاصل بسبب البشرية والروحانية ، وهو فرق حاصل في الحال والكلام الثاني إشارة إلى الفرق الحاصل بحسب العنصر والأصل ، فهذا مجموع شبهة إبليس وقوله تعالى : * ( قال فأخرج منها فإنك رجيم ) * فهذا ليس جواباً عن تلك الشبهة على سبيل التصريح ، ولكنه جواب عنها على سبيل التنبيه . وتقريره أن الذي قاله الله تعالى نص ، والذي قاله إبليس قياس ، ومن عارض النص بالقياس كان رجيماً ملعوناً . وتمام الكلام في هذا المعنى ذكرناه مستقصى في سورة الأعراف ، وقوله : * ( فأخرج منها ) * قيل المراد من جنة عدن ، وقيل من السماوات ، وقيل من زمرة الملائكة ، وتمام هذا الكلام مع تفسير الرجيم قد سبق ذكره في سورة الأعراف وقوله : * ( وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ) * قال ابن عباس يريد يوم الجزاء حيث يجازي العباد بأعمالهم مثل قوله : * ( مالك يوم الدين ) * ( الفاتحة : 4 ) . فإن قيل : كلمة ( إلى ) تفيد انتهاء الغاية فهذا يشعر بأن اللعن لا يحصل إلا إلى يوم القيامة ، وعند قيام القيامة يزول اللعن . أجابوا عنه من وجوه : الأول : المراد منه التأبيد ، وذكر القيامة أبعد غاية يذكرها الناس