فخر الدين الرازي
175
تفسير الرازي
المسألة الثانية : تمسك بعض المعتزلة بهذه الآية في إثبات أن المعدوم شيء قال لأن قوله تعالى : * ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) * يقتضي أن يكون لجميع الأشياء خزائن ، وأن تكون تلك الخزائن حاصلة عند الله تعالى ، ولا جائز أن يكون المراد من تلك الخزائن الموجودة عند الله تعالى هي تلك الموجودات من حيث إنها موجودة ، لأنا بينا أن المراد من قوله تعالى : * ( وما ننزله إلا بقدر معلوم ) * الإحداث والإبداع والإنشاء والتكوين ، وهذا يقتضي أن يكون حصول تلك الخزائن عند الله متقدماً على حدوثها ودخولها في الوجود ، وإذا بطل هذا وجب أن يكون المراد أن تلك الذوات والحقائق والماهيات كانت متقررة عند الله تعالى ، بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات ، ثم إنه تعالى أنزل بعضها أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود . ولقائل أن يجيب عن ذلك بقوله : لا شك أن لفظ الخزائن إنما ورد ههنا على سبيل التمثيل والتخييل ، فلم لا يجوز أن يكون المراد منه مجرد كونه تعالى قادراً على إيجاد تلك الأشياء وتكوينها وإخراجها من العدم إلى الوجود ؟ وعلى هذا التقدير يسقط الاستدلال ، والمباحثات الدقيقة باقية ، والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( وأرسلنا الرياح لواقح ) * فاعلم أن هذا هو النوع الخامس من دلائل التوحيد ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : في وصف الرياح بأنها لواقح . أقوال : القول الأول : قال ابن عباس : الرياح لواقح للشجر وللسحاب ، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك وأصل هذا من قولهم : لقحت الناقة وألقحها الفحل إذا ألقى الماء فيها فحملت ، فكذلك الرياح جارية مجرى الفحل للسحاب . قال ابن مسعود في تفسير هذه الآية : يبعث الله الرياح لتلقح السحاب فتحمل الماء وتمجه في السحاب ، ثم إنه يعصر السحاب ويدره كما تدر اللقحة فهذا هو تفسير إلقاحها للشجر فما ذكروه . فإن قيل : كيف قال * ( لواقح ) * وهي ملقحة ؟ والجواب : ما ذهب إليه أبو عبيدة أن ( لواقح ) ههنا بمعنى ملاقح جمع ملقحة وأنشد لسهيل يرثي أخاه : لبيك يزيد يائس ذو ضراعة * وأشعث مما طوحته الطوائح أراد المطوحات وقرر ابن الأنباري ذلك فقال : تقول العرب أبقل النبت فهل بأقل يريدون هو مبقل وهذا بدل على جواز ورود لاقح عبارة عن ملقح . والوجه الثاني : في الجواب قال الزجاج : يجوز أن يقال لها لواقح وإن ألحقت غيرها لأن