فخر الدين الرازي
176
تفسير الرازي
معناها النسبة وهو كما يقال : درهم وازن ، أي ذو وزن ، ورامح وسائف ، أي ذو رمح وذو سيف قال الواحدي : هذا الجواب ليس بمغن ، لأنه كان يجب أن يصح اللاقح . بمعنى ذات اللقاح وهذا ليس بشيء ، لأن اللاقح هو المنسوب إلى اللقحة ، ومن أفاد غيره اللقحة فله نسبة إلى اللقحة فصح هذا الجواب والله أعلم . والوجه الثالث : في الجواب أن الريح في نفسها لاقح وتقريره بطريقين : الطريق الأول : أن الريح حاصلة للسحاب ، والدليل عليه قوله سبحانه : * ( وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً ) * ( الأعراف : 57 ) أي حملت فعلى هذا المعنى تكون الريح لاقحة بمعنى أنها حاملة تحمل السحاب والماء . والطريق الثاني : قال الزجاج : يجوز أن يقال للريح لقحت إذا أتت بالخير ، كما قيل لها عقيم إذا لم تأت بالخير ، وهذا كما تقول العرب : قد لقحت الحرب وقد نتجت ولداً أنكد يشبهون ما تشتمل عليه من ضروب الشر بما تحمله الناقة فكذا ههنا والله أعلم . المسألة الثانية : الريح هواء متحرك وحركة الهواء بعد أن لم يكن متحركاً لا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس نفس كونه هواء ولا شيئاً من لوازم ذاته ، وإلا لدامت حركة الهواء بدوام ذاته وذلك محال ، فلم يبق إلا أن يقال : إنه يتحرك بتحريك الفاعل المختار ، والأحوال التي تذكرها الفلاسفة في سبب حركة الهواء عند حدوث الريح قد حكيناها في هذا الكتاب مراراً فأبطلناها وبينا أنه لا يمكن أن يكون شيء منها سبباً لحدوث الرياح ، فبقي أن يكون محركها هو الله سبحانه . وأما قوله : * ( وأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين ) * ففيه مباحث : الأول : أن ماء المطر هل ينزل من السماء أو ينزل من ماء السحاب ؟ وبتقدير أن يقال إنه ينزل من السحاب كيف أطلق الله على السحاب لفظ السماء ؟ وثانيها : أنه ليس السبب في حدوث المطر ما يذكره الفلاسفة بل السبب فيه أن الفاعل المختار ينزله من السحاب إلى الأرض لغرض الإحسان إلى العباد كما قال ههنا : * ( فأسقيناكموه ) * قال الأزهري : تقول العرب لكل ما كان في بطون الأنعام ومن السماء أو نهر يجري أسقيته أي جعلته شرباً له ، وجعلت له منها مسقى ، فإذا كانت السقيا لسقيه قالوا سقاه ، ولم يقولوا أسقاه . والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله : * ( نسقيكم مما في بطونه ) * ( النحل : 66 ) فقرؤا باللغتين ، ولم يختلفوا في قوله : * ( وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ) * ( الإنسان : 21 ) وفي قوله : * ( والذي هو يطعمني ويسقين ) * ( الشعراء : 79 ) قال أبو علي : سقيته حتى روي وأسقيته نهراً ، أي جعلته شرباً له وقوله : * ( فأسقيناكموه ) * أي جعلناه