فخر الدين الرازي
140
تفسير الرازي
فالجواب عنه من وجوه : الأول : أن المنع منه لا يعلم إلا بالتوقيف فلعله لم يجد منه منعاً فظن كونه حائزاً . الثاني : أراد بوالديه آدم وحواء . الثالث : كان ذلك بشرط الإسلام . ولقائل أن يقول : لو كان الأمر كذلك لما كان ذلك الاستغفار باطلاً ولو لم يكن لبطل قوله تعالى : * ( إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) * ( الممتحنة : 4 ) وقال بعضهم : كانت أمه مؤمنة ، ولهذا السبب خص أباه بالذكر في قوله تعالى : * ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) * ( التوبة : 114 ) والله أعلم وفي قوله : * ( يوم يقوم الحساب ) * قولان : الأول : يقوم أي يثبت وهو مستعار من قيام القائم على الرجل ، والدليل عليه قولهم : قامت الحرب على ساقها ، ونظيره قوله ترجلت الشمس ، أي أشرقت وثبت ضوءها كأنها قامت على رجل . الثاني : أن يسند إلى الحساب قيام أهله على سبيل المجاز مثل قوله : * ( واسأل القرية ) * ( يوسف : 82 ) أي أهلها . والله أعلم . قوله تعالى * ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ) * اعلم أنه لما بين دلائل التوحيد ثم حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من الله أن يصونه عن الشرك ، وطلب منه أن يوفقه للأعمال الصالحة وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة ذكر بعد ذلك ما يدل على وجود يوم القيامة ، وما يدل على صفة يوم القيامة ، أما الذي يدل على وجود القيامة فهو قوله : * ( ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ) * فالمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم ، لزم أن يكون إما غافلاً عن ذلك الظالم أو عاجزاً عن الانتقام ، أو كان راضياً بذلك الظلم ، ولما كانت الغفلة والعجز والرضا بالظلم محالاً على الله امتنع أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم . فإن قيل : كيف يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يحسب الله موصوفاً بالغفلة ؟ والجواب من وجوه : الأول : المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً ، كقوله : * ( ولا تكونن من المشركين ) * ( الأنعام : 14 ) . * ( ولا تدع مع الله إلهاً آخر ) * ( القصص : 88 ) وكقوله : * ( يا أيها الذين آمنوا ) * . والثاني :