فخر الدين الرازي
141
تفسير الرازي
أن المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظلم ، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً لكل أحد لا جرم كان عدم الانتقام محالاً . والثالث : أن المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون ، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير . الرابع : أن يكون هذا الكلام وإن كان خطاباً مع النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر ، إلا أنه يكون في الحقيقة خطاباً مع الأمة ، وعن سفيان بن عيينة : أنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم ، ثم بين تعالى أنه إنما يؤخر عقاب هؤلاء الظالمين ليوم موصوف بصفات . الصفة الأولى : أنه تشخص فيه الأبصار . يقال : شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا يطرفها ، وشخوص البصر يدل على الحيرة والدهشة وسقوط القوة . والصفة الثانية : قوله : * ( مهطعين ) * وفي تفسير الإهطاع أقوال أربعة : القول الأول : قال أبو عبيدة هو الإسراع . يقال : أهطع البعير في سيره واستهطع إذا أسرع وعلى هذا الوجه ، فالمعنى : أن الغالب من حال من يبقى بصره شاخصاً من شدة الخوف أن يبقى واقفاً ، فبين الله تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد ، فإنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مهطعين ، أي مسرعين نحو وذلك البلاء . القول الثاني : في الإهطاع قال أحمد بن يحيى : المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع . والقول الثالث : المهطع الساكت . والقول الرابع : قال الليث : يقال للرجل إذا قر وذل أهطع . الصفة الثالثة : قوله : * ( مقنعي رؤوسهم ) * والإقناع رفع الرأس والنظر في ذل وخشوع ، فقوله : * ( مقنعي رؤوسهم ) * أي رافعي رؤوسهم والمعنى أن المعتاد فيمن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه عنه لكي لا يراه ، فبين تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد وأنهم يرفعون رؤوسهم . الصفة الرابعة : قوله : * ( لا يرتد إليهم طرفهم ) * والمراد من هذه الصفة دوام ذلك الشخوص ، فقوله : * ( تشخص فيه الأبصار ) * لا يفيد كون هذا الشخوص دائماً وقوله : * ( لا يرتد إليهم طرفهم ) * يفيد دوام هذا الشخوص ، وذلك يدل على دوام تلك الحيرة والدهشة في قلوبهم . الصفة الخامسة : قوله : * ( وأفئدتهم هواء ) * الهواء الخلاء الذي لم تشغله الأجرام ثم جعل وصفاً فقيل : قلب فلان هواء إذا كان خالياً لا قوة فيه ، والمراد بيان أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخواطر والأفكار لعظم ما ينالهم من الحيرة ومن كل رجاء وأمل لما تحققوه من العقاب ومن كل سرور ، لكثرة ما فيه من الحزن ، إذا عرفت هذه الصفات الخمسة فقد اختلفوا