فخر الدين الرازي

123

تفسير الرازي

وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) * اعلم أنه تعالى عاد إلى وصف أحوال الكفار في هذه الآية فقال : * ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ) * نزل في أهل مكة حيث أسكنهم الله تعالى حرمه الآمن وجعل عيشهم في السعة وبعث فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم فلم يعرفوا قدر هذه النعمة ، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنواعاً من الأعمال القبيحة . النوع الأول : قوله : * ( بدلوا نعمة الله كفراً ) * وفيه وجوه : الأول : يجوز أن يكون بدلوا شكر نعمة الله كفراً ، لأنه لما وجب عليهم الشكر بسبب تلك النعمة أتوا بالكفر ، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلاً . والثاني : أنهم بدلوا نفس نعمة الله كفراً لأنهم لما كفروا سلب الله تلك النعمة عنهم فبقي الكفر معهم بدلاً من النعمة . الثالث : أنه تعالى أنعم عليهم بالرسول والقرآن فاختاروا الكفر على الإيمان . والنوع الثاني : ما حكى الله تعالى عنهم قوله : * ( وأحلوا قومهم دار البوار ) * وهو الهلاك يقال رجل بائر وقوم بور ، ومنه قوله تعالى : * ( وكنتم قوماً بوراً ) * ( الفتح : 12 ) وأراد بدار البوار جهنم بدليل أنه فسرها بجهنم فقال : * ( جهنم يصلونها وبئس القرار ) * أي المقر وهو مصدر سمي به . النوع الثالث : من أعمالهم القبيحة قوله : * ( وجعلوا لله أنداداً ليضلوا عن سبيله ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم بدلوا نعمة الله كفراً ذكر أنهم بعد أن كفروا بالله جعلوا له أنداداً ، والمراد من هذا الجعل الحكم والاعتقاد والقول ، والمراد في الأنداد الأشباه والشركاء ، وهذا الشريك يحتمل وجوهاً : أحدها : أنهم جعلوا للأصنام حظاً فيما أنعم الله به عليهم نحو قولهم هذا لله وهذا لشركائنا . وثانيها ؛ أنهم شركوا بين الأصنام وبين خالق العالم في العبودية . وثالثها : أنهم كانوا يصرحون بإثبات الشركاء لله وهو قولهم في الحج لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو * ( ليضلوا ) * بفتح الياء من ضل يضل والباقون بضم الياء من أضل غيره يضل . المسألة الثالثة : اللام في قوله : * ( ليضلوا عن سبيله ) * لام العاقبة لأن عبادة الأوثان سبب يؤدي إلى الضلال ويحتمل أن تكون لام كي ، أي الذين اتخذوا الوثن كي يضلوا غيرهم هذا إذا قرىء